قناة     
الديار    
الفضائية
الصفحة الرئيسية


 الدورة البرامجية

 السبت  الاحد  الاثنين  الثلاثاء
الاربعاء  الخميس  الجمعة

 

خريطة العراق


الطقس





غربال الذاكرة فرانسواز ساغان



طاب يومك ايها الحزن

غربال الذاكرة : فرانسواز ساغان

طاب يومك ايها  الحزن!

فيصل  الياسري

 

كان صديقي المخرج التونسي رضا الباهي يحرص كلما  قمت بزيارة الى  باريس  ان  يصعد بي  في سيارته الصغيرة الى  اعلى تلة مونتمارتر شمالي  باريس حيث  المطاعم والمقاهي  الباريسية  المتراصة ونوادي  الليل المجاورة لكنيسة مونتمارتر – جبل  الشهيد – نسبة الى  الشهيد القديس دنيس ( من  القرن الثالث ) ودكاكين الهداية الباريسية التقليدية . 

ورغم البرد الشديد في  ذلك المساء  الخريفي من  عام 1984 اخترنا– صاحبي التونسي وآنا – أن نجلس في مطعم مكشوف كي نمارس  متعتنا  المفضلة عند زيارة  الاحياء  الفنية  في  باريس ,  الا وهي مراقبة الرائحين والجايين على تلك التلة المكتظة بالناس ورسامي الأرصفة  الذين يزاولون فنهم ربما  في نفس  الاماكن التي عمل  ورسم فيها يوما  ما بيكاسو و مونيه و فان كوخ ودالي وتولوز لوتريك ورينوار واخرون حيث !

ما أن جلسنا حتى اقتربت منا شلة صغيرة متوسطة الصخب تحيط بامرأة شقراء  بلا جمال خاص ، ولكنها ذات حضور وشخصية واضحة ، وثقة كبيرة بالنفس ، وجلست المجموعة على الطاولة المجاورة لنا ، وجاء ظهر السيدة المرموقة خلفي تماماً بحيث لامس شعرها أكتافي … فقال لي الباهي  ( أتدرى من تجلس خلفك ألان ؟… الكاتبة  فرانسواز ساغان )

وكدت أن التفت بعنف لأحدق في وجه تلك المرآة التي قرأنا لها قبل عشرات السنين روايتها ( طاب يومك أيها الحزن )!! التي كتبتها وعمرها 18 سنة فحققت شهرة عالمية خلال بضعة اشهر وترجمت إلى  لغات العالم ومنها العربية ( حيث نشرت تحت عنوان  مرحباً أيها الحزن ) !!

 واعتبر النقاد المؤلفة الفتية الهاوية  معجزة أدبية جريئة ! وحولوا القصة عام 1954 إلى  فيلم سينمائي من اخراج النمساوي اوتو بريمينغر وتمثيل  ديبورا كير وديفيد نيفين وجين سيبيرغ !!

تدور قصة ( طاب  يومك ايها الحزن ) حول الفتاة سيسيل التي تنهي الثانوية وترافق أباها الأرمل  في إجازته السنوية مصطحباً معه عشيقته الشابة ، ولم يزعج هذا الأمر سيسيل ، ولم يخرب عليها متعة الإجازة / إلى أن تظهر عشيقة سابقة للاب اللعوب  تنفر منها سيسيل  فتقرر أبعادها عنهم بشتى الوسائل ، وتتأزم الأمور إلى حد بوصل العشيقة السابقة الى الانتحار برمي  نفسها في الهاوية وهي داخل سيارتها !

        وضعت هذه الرواية بين ليلة وضحاها ، فرانسواز  ساغان بنت ال18 عاماً في صف مشاهير الكتاب الفرنسيين ، و بلغت مؤلفاتها حتى  منتصف  التسعينات  أكثر من عشرين كتاباً في الرواية والمسرحيات ،  منها رواية ( هل تحبين برامز؟) ,, التي ترجمت إلى  العربية أيضاً ..

 

نعود الى لقاءي مصادفة بفرانسواز ساغان في ذلك المقهى الباريسي قبل  وفاتها عام 2004 بعشرين سنة ..

 

يبدو أن حركتي  كانت عنيفة وأنا التفت لرؤية فرانسواز ساغان التي قال صديقي انها  تجلس خلفي ، فاصطدم كتفي بكتفها فالتفت هي وقالت معتذرة ( باردون ) .. وكان يجب علي أن أعتذر أنا لا هي .. فابتسمت لها واعتذرت عن حركتي التي أزعجتها ربما ..  وقلت بالإنجليزية ( أنا قرأت لك كتابين باللغة العربية : طاب يومك أيها الحزن ـ وهل تحبين برامز ؟) فسرها أن تسمع ذلك / وبادر صديقي التونسي بترجمة ما قلته أنا إلى  الفرنسية معتقداً أنها لا تفهم الإنجليزية ، فقالت له أنها قد فهمت كلامي ..

 

بعد هذا اللقاء القديم مع فرانسواز ساغان بايام صادف ان  قرأت ً اجزاء  من مذكراتها التي اصدرتها في كتابين احدها بعنوان ( قروح الروح !) والاخر بعنوان (مع ارق الذكريات )  وتتحدث فيهما عن أمور كثيرة وتخفي غيرها ، حسب قناعتها ( كما تقول في مذكراتها ) التي تعترف فيها أنها لم تقرأ أبداً كتبها بعد نشرها !! ولكنها تعود في مذكراتها هذه لتستعرض كتبها في تسلسل تاريخي حسب زمن تأليفها لتذكر تفاصيل حياتها التي رافقت تأليف هذا الكتاب أو ذاك !! وهي تصف نفسها بالتفرد بالأدب ، و ان لها خصوصية في الكتابة كما لها خصوصية في الحياة ، ولكنها تعاني مما تلوكه الألسن حولها ، بالرغم من أنها لا تنكر بعض سلوكياتها السلبية !!

 

 تتحدث ساغان في مذكراتها باقتضاب  وتحفظ عن فترات الإدمان على الكوكائين التي مرت بها ، وتعاطيها المفرط للخمور !! الا أنها لا تتحدث بتفصيل عن زواجها مرتين ، ولا عن عشاقها الكثيرين إلا بتلميحات خفيفة .. ولكنها تعترف بأنها كانت تلتقي بين حين وآخر مع المفكر والكاتب جان بول سار تر على سلالم فنادق الملذات التي تؤجر غرفها بالساعة ، وهو خارج أو داخل مع رفيقة مختارة للمتعة المؤقتة ! وتقول إنها لم تكن تتحدث معه آنذاك ولكنهما كانا يتبادلن التحية ( باحترام شديد ).. ولم تقل لنا ساغان ما الذي كانت تفعله هي في فندق الملذات العابرة !!

 

كانت حياة فرنسواز متقلبة منذ طفولتها التي  عاصرت فيها  الحرب  العالمية الثانية (ولدت في  21 حزيران 1935 ) وعاشت لفترة في  ليون قبل  ان  تنتقل  الى  باريس  لتلتحق  بالسوربون ولكن معاصريها  يقولون انها  كانت منبهرة بحياة باريس  الليلة  اكثرمن الدراسة في  الجامعة التي لم  تنهيها  ابدا .. ولكنها انجزت  عام  1954 روايتها ( طاب يومك ايها  الحزن ) تبعتها بروايات عديدة , وفي عام 1960 بدأت  ايضا  تكتب للمسرح فقدمت بصعة مسرحيات تميزت بحوارها  الممتاز ! ثم اصدرت مجموعة كتب  هي  من قبيل السيرة الذاتية  او المذكرات ! بدأتها  بـ ( قروح الروح !) عام 1972

 

وتتحدث ساغان في مذكراتها (مع ارق الذكريات ) بحرقة عن ثلاث سنوات من التعاسة عاشتها في الثمانينات تحت وطأة الكآبة المزمنة التي دفعتها إلى  التردد على النوادي والحانات الليلة باستمرار دون أن تشعر للحظة واحدة بالمتعة أو السعادة ! وانتهى بها المطاف إلى  أن تقضي فترة من حياتها تذرع الشوارع التي تقودها إلى  المستشفيات والمصحات !!

 

وتقول إنها لقيت بعض العزاء في صداقتها مع الرئيس الفرنسي ميتران الذي ارتبطت معه بعلاقة غريبة  وصفتها بتعبير غامض هو ( الإخلاص في عدم الإخلاص !) وهذا اصطلاح يبدو التناقض فيه واضحاً ، وان حاولت المؤلفة  أن تفسر ذلك بشواهد من الحياة ، ولكنها تختم مذكراتها بقولها ( يمكن للإنسان أن يتعلم من الحياة في أي فترة من عمره !) وتقول ( اكثر ما يزعج الحسود ويثير غيرته هو الضحك ) !!!

 

كانت صحة فرانسواز ساغان قد تدهورت في  السنوات الاخيرة  الى درجة انها  لم تستطع  عام 2002 حضور  جلسات محاكمتها مع  فرانسوا ميتران بتهمة التحايل  الضريبي وحكم  عليها بالسجن مع  وقف  التنفيذ وتوفيت في 24  ايلول 2004  بنزيف دموي في  الرئة وقد  رثاها الرئيس  الفرنسي  جاك  شيراك  بقوله ( بموتها خسرت فرنسا شخصا من  المع  كتابنا واكثرهم رقة – احد شوامخ  حياتنا  الادبية )

 

                                                فيصل الياسري

 

 



© 2009 All rights reserved.
Powered by: PHPCow.com