قناة     
الديار    
الفضائية
الصفحة الرئيسية


 الدورة البرامجية

 السبت  الاحد  الاثنين  الثلاثاء
الاربعاء  الخميس  الجمعة

 

خريطة العراق


الطقس





التحليل النفسي للشخصية العراقية



 المقال يعبر عن رأي كاتبه /

 وليس بالضرورة يتفق مع الديار في كل ما ورد فيه

التحليل النفسي للشخصية العراقية

بقلم - خضير طاهر

 شخصية تدمر نفسها

 تناول الشخصية العراقية من منظور التحليل النفسي أمر في غاية الأهمية، ويفترض أن يكون من أولويات المؤسسات العلمية والنخب العراقية، فما نشهده من تشوهات إجتماعية ومصادرة للحريات وإنعدام إحترام حق الاختلاف والفساد الاداري وسرقات للمال العام وعمالة لأجهزة المخابرات الايرانية والسورية المعادية للعراق، وجرائم الخطف والارهاب وقطع الرؤوس، وقبلها سلسلة الانقلابات والسجون والاعدامات والمقابر الجماعية... كل هذه البشاعات هي عبارة عن ظواهر ( ونتائج ) تقف خلفها (أسباب) سايكولوجية إستوطنت في الشخصية العراقية.

 

هل توجد شخصية عراقية واحدة؟.. الجواب بالنفي، فبعد إستبعاد وفرز المشترك العام للنوع الانساني والمشترك القطري الواحد.. ستتجلى لنا تنوعات الشخصية العراقية كالشخصية الشيعية والسنية والكردية وبقية الاقليات الاخرى وسنجد تنوعاً لدرجة التعارض أحيانا.

 

تقف الشخصية بشكل عام على ثلاثة أركان:

 

- العقلي

- النفسي

- الجسدي

 

وهنالك علاقة تفاعلية عضوية تربط منظومة الذات الانسانية هذه، و في حال حصول أدنى خلل سيؤثر حتما ًعلى كل كيانها، والسؤال الكبير الذي علينا مواجهته هو : هل الأسرة العراقية تمتلك الوعي التربوي العلمي لإنجاب أفراد أصحاء؟.. وهل المدرسة والجامعة لديهما المناهج العلمية وألاساتذة الأسوياء لصناعة شخصيات سليمة تتمتع بالصحة النفسية؟.. ماذا عن سلطة القبيلة والمؤسسة الدينية والاحزاب والتقاليد والاعراف وقمع الدولة والمفاهيم المغلوطة  المكونة لهوية الشخصية العراقية ورغم وجود الاختلاف مابين ما سوشية الشيعة وسادية السنة وزئبقية الاكراد وأنطوائية الاقليات الاخرى.. توجد ( بنية ) نفسية ترسم الإطار العام الشعوري واللاشعوري للشخصية العراقية.

 

ونحن هنا نعاود المحاولة مرة أخرى ـ كانت المحاولة الاولى قبل عشر سنوات نشرت في بعض صحف المعارضة العراقية ـ تناولنا فيها بعض جوانب الشخصية العراقية التي تؤثر على التفكير والسلوك السياسي، فبعد زوال الشماعة التي علقت عليها كل أوجه الخراب بزوال نظام صدام الذي كان ( نتيجة ) للتشوهات النفسية وليس ( سبباً ) لها وإنكشاف المخبوء ونزف قيح التخلف للعلن... أصبح لزاماً علينا مواجهة الذات والأعلان من أننا شعب مصاب بالوباء النفسي والعقلي الجماعي .

ماسوشية الشيعة

الشخصية الشيعية هي نتاج التاريخ بإمتياز بمعنى إنها ليست شخصية عفوية، وإنما هي ترزح تحت إكراهات التاريخ والايديلوجيا وعملية ( التفريس ) التي مارسها اللوبي الايراني منذ أكثر من ألف عام لقولبة شيعة العراق، ونتيجة لعملية غسيل الدماغ الجماعي وإدخال أفكار وطقوس وممارسات بعيدة عن الفطرة الانسانية وطبيعتها العفوية.. ظهر مرض (( الماسوشية )) في المجتمع الشيعي العراقي على وجه الخصوص .

 

من أبرز أعراض مرض (( الماسوشية )) النفسية وليس الجسدية هي التواري خلف الصفوف الامامية وعدم الجرأة في أخذ زمام المبادرة والطليعية وإستمراء الخضوع للافكار والطقوس والاشخاص، وأخطر مافي هذا المرض هو التوجه بصورة لاشعورية الى إتخاذ مواقف وسلوكيات تؤدي الى الاخفاق من أجل الاستلذاذ بعذابات الفشل ونشير إننا لانعمم على جميع الشيعة وإنما نتحدث عن الغالبية العظمى.

 

العناصر المؤسسة لمرض (( الماسوشية )) لدى الشخصية الشيعية هي:

 

- المنبر الحسيني

- طقوس عاشوراء

- تقليد المراجع

 

بالنسبة للمنبر الحسيني فمنذ مئات السنين يقيم الشيعة مآتم الحزن والعزاء بصورة مستمرة سنوياً على ذكرى إستشهاد الامام الحسين بن على بن أبي طالب، ومن طبيعة عمل هذه المنابر هو القيام بضخ وتكريس مفاهيم تحقير الذات والشعور بالذنب والإضطهاد وعدم جدارتها بالحياة، وعادة ماتكون مصحوبة هذه المآتم بالعويل والبكاء، وتعتبر هذه الاجواء والممارسات بيئة مثالية لتحطيم الذات وقتل شعورها بالاعتداد وتشويه إحساسها بالحياة وجمالياتها.

 

أما طقوس عاشوراء فهي مناسبة تستمر لمدة أربعين يومياً لدى الشيعة وتعتبر تطبيقاً عملياً لمرض (الماسوشية) وتعذيب الذات جسدياً ونفسياً، فليس من الطبيعي وفق قوانين الصحة العقلية والنفسية قيام الشيعة بضرب أكتافهم وظهورهم بالسلاسل كل يوم وطوال العشرة الاولى من شهر محرم، ثم تأتي ذروة عملية تعذيب الذات في اليوم العاشر من محرم حينما تخرج المواكب لضرب الرؤوس بالسكاكين وإخراج الدماء بصورة مقززة تتعارض تماما مع تعاليم الاسلام التي تؤكد على أن النظافة من الايمان وتحريم إيذاء النفس.

 

طبعا ليس هذا فحسب ، وانما يتخلل السنة العديد من مناسبات وفيات الائمة الاثنى عشر وتتم فيها ايضا طقوس اقامة المنبر الحسيني والعزاء والبكاء والعويل .

 

وبخصوص العنصر الاخير المسبب للمرض وهو تقليد المراجع الذي يتخذ شكل نمط علاقة (الراعي والقطيع) بصورة فيها إمتهان ومصادرة لآدمية وكرامة الانسان وحريته في التفكير والارادة، فكما هو معروف أن القرار الديني والسياسي لشيعة العراق يهيمن عليه اللوبي الايراني منذ اكثر من الف عام وينحصر دور الشيعة فقط في دفع أموال الزكاة والخمس وتقبيل أيادي رجال الدين الفرس الذين يضربون طوقاً حديديأ على المرجعية ويتصدون بشراسة الى كل عنصر عراقي عربي  يحاول البروز وقيادة أبناء وطنه من داخل المؤسسة الدينية.

 

 

وواضح ان الهدف من آلية عمل تقليد المراجع هو إحداث (خصاء نفسي) جماعي وشل الارادة والعقل وقيادة الجموع بصورة عمياء وفق أهواء اللوبي الايراني.

 

لقد وصلت تآمر المرجعية ورجال الدين الفرس على شيعة العراق الى درجة إصدار فتاوى في السابق منعتهم من الانخراط في وظائف الدولة ودخول المدارس الحكومية بغية تكريس المزيد من الجهل بينهم ومنع تنامي مشاعرهم الوطنية والمشاركة في بناء العراق.

 

وستبقى أزمة الهوية الوطنية لدى الطائفة الشيعية العراقية قائمة مالم يثوروا على هيمنة اللوبي الايراني على قرارهم السياسي والديني ، فالمطلوب من شيعة العراق البرهنة على وطنيتهم العراقية بالثورة على كل ماهو ايراني قبيح سواء داخل المرجعية او احزابهم ومؤسساتهم ، فمن العيب على شيعة العراق والعار انهم يدفعون الخسائر والتضحيات والمقابر الجماعية ... ثم يأتي الايراني من خارج الحدود ويستلم أعلى المناصب الوزارية ويحتل مقاعد البرلمان ومن سراديب النجف يتم التحكم بمصيرهم السياسي والديني من قبل المرجعية الايرانية بينما شيعة العراق العرب مجرد عبيد وخدم ووقود للقتل والمقابر الجماعية وخيرات وطنهم يستولي عليها اللوبي الايراني !!

 

سادية السنة

كان الطرف الصانع لتاريخ العراق منذ أكثر من ألف عام هم السنة أبتداءاً من عملهم مع الدولة الاموية في الشام الى السيطرة المباشرة للدولة العباسية في بغداد حتى عند حصول الاحتلال العثماني البغيض كانوا الطرف المقرب منه بحكم الرابطة الطائفية الواحدة وصولاً لتأسيس الدولة العراقية الحديثة ولغاية إسقاط نظام صدام ... لقد نجحوا في الهيمنة على السلطة وخسروا القيم والمباديء.

 

وقبل الحديث عن النزعة السادية لدى الشخصية السنية لابد من الاشارة الى إننا لا نعمم كلامنا على كافة السنة وانما نتكلم عن الغالبية العظمى ويجب الحذر هنا من الوقوع في فخ الطرح المثالي الذي يريد إلغاء مشكلة الشر من الاساس ورؤية مجتمع فاضل بلا مشاكل وتشوهات وبالتالي سنصطدم بالبديهيات والمنطق ونتجاهل سنن الحياة وقوانين الواقع .

 

مرض السادية يكثف معاني السلوك العدواني بمعناه الشامل، وبالاضافة الى الاسباب التقليدية لهذا المرض كالبيئية والوراثية والخلل  العقلي والنفسي... فأن عوامل محلية عراقية معززة للسلوك السادي تتمثل في :

 

- طبيعة المكان الصحراوية

- الجذورالبدوية

- الجذورالتركية

- تضخم مفهوم توكيد الذات

 

بالنسبة للعامل الاول، فأن معظم المدن التي يقطنها سنة العراق تعتبر مدن صحراوية قاسية ماعدا أجزاء بسيطة ، ومعروف تأثير طبيعة المكان عندما يكون  بهذه المواصفات على تشكل الشخصية من حيث الميول والاتجاهات والمشاعر والافكار ودرجة الاحساس بالقيم والجمال ونوعية التعامل الاجتماعي وكيفية مساهمته في بلورة شخصية خشنة عنيفة.

 

أما الجذور البدوية لسنة العراق فهي العامل الاكبر في تعزيز السلوك العدواني، فقد كانت الاعراف البدوية التي تمجد القوة والغزو وإخضاع الاخر لها دور كبير في التفكير والممارسة السياسية للسنة.

وبخصوص العامل الاخر وهو الجذور التركية لقطاعات واسعة من السنة، فأن هذا الموضوع كان من الأسرارالمعتم عليها دائما، فالتواجد التركي قديم في العراق أذ أستقدمت الدولة العباسية أعدادا كبيرة منهم لحمايتها وتم إسكانهم في مدينة سامراء التي كان تشمل مدينة تكريت أيضا، و أثناء الاستعمار العثماني تغلل الكثير من الاتراك ضمن صفوف العشائر السنية ،  اضافة الى مجاورة مدينة الموصل لتركيا وتسرب الاتراك اليها ، ومعروفة الطبيعة الخشنة للشخصية التركية .

 

أما عامل توكيد الذات فقد وجد البيئة الشاذة التي غيرت مساره الايجابي ، وأتجهت به صوب ميول متضخمة لدى سنة العراق لتوكيد الذات والشعور بالقيمة والاعتبار عن طريق الاستيلاء على السلطة وإخضاع الاخرين بالقوة والبطش والمذابح.

 

لم تكن عمليات قطع الرؤوس مجرد عمل إجرامي أُرتكب كرد فعل على فقدان السلطة من قبل السنة ، بل هو إمتداد لتقاليد وأعراف وقناعات دأبت منذ مئات السنين على إلغاء الاخر وسرقة حصته من ثروات بلده وخطف النساء من الشوارع وإغتصابهن وحفر المقابر الجماعية لأبناء الوطن.

هل السلوك العدواني يقتصر على ابناء الطائفة السنية فقط ؟ .. الجواب مؤكد لا وألف لا ، فأجهزة نظام صدام التي كانت تفتك بالشعب العراقي كانت من : الشيعة والسنة والاكراد وبقية الاقليات ، وما تقوم به اليوم الميليشيات الشيعية من جرائم وحشية هو عمل سادي بشع يعبر عن همجية شوهت كثيرا صورة الشيعي .

 ولكن النقطة الجديرة بالأشارة هي ان العدوانية السياسية والتسلط وإلغاء الاخر أقترنت بالسنة من حيث المبادرة والتخطيط والتنفيذ ... والسؤال الهام هل سيتغير سلوك السنة وعموما الشعب العراقي ؟

 

زئبقية الأكراد

 يكره الاكراد وضعهم ضمن النسيج الاجتماعي العراقي، فرغم عدم إعتراض الاقليات أخرى كالتركمان والصابئة والأزيدين والكلدوآشور على النظر اليهم كمواطنين عراقيين، نجد الاكراد حتى الذين عاشوا في مدن الوسط والجنوب وبغداد لمدة مئات السنين فهم جميعاً يرفضون إعتبارهم جزءا من الشعب العراقي، ورغم تمتع الاكراد بخيرات وثروات العراق في كل مجالات معيشتهم، فأنك حينما تسأل الكردي العراقي من أي بلد أنت؟ يجيبك أنه كردي دون ذكر أسم العراق حتى لو كان يعيش هو وأجداده في بغداد منذ مئات السنين فلا يوجد كردي واحد على وجه الارض   يشعر بالولاء  والانتماء للعراق بل ان الاكراد يعلنون صراحة عن مشاعر الكراهية لكل ماهو عراقي.

 ويتصف المجتمع الكردي بالطابع العشائري الذي يتخذ شكل جمود صخور الجبال التي تتحطم عليها كل محاولات بلورة وعي نقدي تنويري، فالمحرك الاساسي للشخصية الكردية ليس البديهيات والمنطق والعقلانية، وإنما هو التعصب العرقي العنصري الشوفيني والعناد الذي تشتهر به هذه الشخصية ، وأمام إفتراس مشاعر التعصب لهذه الشخصية يتساوى هنا المثقف والشخص الأُمي الكردي في عدم الايمان ورفض مفاهيم : المواطنة والعيش المشترك وإحترام حق الاختلاف والديمقراطية وحقوق الاقليات.

بل المضحك أن العناصر الكردية في الحزب الشيوعي العراقي قامت بالانشقاق وأسست حزباً شيوعياً كردياً، فتصوروا المفارقة الشيوعيون الذين ينادون بالاممية والمساواة يوسسون حزباً شيوعياً على أساس عرقي قومي.

لقد صنعت الجبال سلوك الاكراد وطبعته بطابع خاص أخذ شكل التخفي والأفلات من أية تعهدات وإلتزامات، فالحماية التي وفرتها الجبال لهم شجعت الاكراد على التمرد والخروج على القانون والهرب والتخفي في الكهوف والافلات، ولهذا تعد بحق شخصية (زئبقية) تجمدت على عتبة المفاهيم العشائرية والشحن الايديولوجي العنصري البغيض وكراهية الاخر شريكها في الوطن، وأمام هذا الجمود المزمن يصبح من الصعب حدوث أي تطور نوعي في المجتمع الكردي فكل قيم الحضارة والتنوير كالحرية والمساواة ومفهوم المواطنة لاتجد لها آذان صاغية أمام التمترس خلف صخور التعصب والانغلاق.

 وسيبقى الاكراد كورم مرض السرطان ينخر في جسد العراق ولن تنفع معهم كافة الحلول السياسية  والاتفاقيات والمواثيق ، لذا لايوجد حل للمشكلة الكردية ألا باللجوء الى منح مدن : اربيل ودهوك والسليمانية فقط حق الانفصال وتشكيل دولة كردية مستقلة من هذه المدن الثلاثة  وقيام الحكومة العراقية بتسفير الاكراد وترحيلهم  من مدن كركوك وديالى والموصل وبقية المدن الاخرى بأعتبارها مدناً عراقية ولايحق لهم بعد الانفصال الاقامة فيها ويتم قطع كافة الحصص المالية التي تدفعها الحكومة العراقية من ميزانية الدولة لهم  اذ ان الاكراد يشكلون عبئا ً اقتصاديا ُ   ولايستفاد منهم العراق بأي شيء.

 

دوافع الانخراط في النشاط السياسي

 كل سلوك بشري يقف خلفه دافع شعوري أو لاشعوري من أجل تحقيق هدف ما، وقضية الدوافع من وراء إنخراط أبناء المجتمع العراقي لممارسة النشاط السياسي تبدو واحدة من أخطر التشوهات النفسية التي أصابة الشخصية العراقية، فأذا كان الفرد المسيس بشكل عام غير مؤمن بالمباديء السياسية التي تخص المجتمع والوطن مثل :  الأيمان بحق المواطنة للجميع والديمقراطية كقيمة وممارسة داخل حزبه ومع الاخرين وفي ظل غياب واضح لمشاعر الانتماء الوطني للعراق وتفضيل مصالحه العليا على المصالح الشخصية والحزبية والعرقية والطائفية.

 فالسؤال الهام هو: لماذا إذن الانخراط في مجال العمل السياسي اذا كان الساسة لايحترمون مباديء العمل السياسي النبيل التي تهدف الى خدمة الوطن؟.. وبأستثناء العناصر الانتهازية، فأن دوافع الفرد العراقي اللاشعورية التي دفعته للعمل السياسي وتحمل معاناة الملاحقة والاعتقال والاعدامات ليست لها علاقة بالشأن العام، وإنما هي دوافع شخصية محضة، فلو حللنا دوافع عناصر التيارات الرئيسية الثلاثة : الماركسية والقومية والاسلامية سنجد مايلي :

 

التيار الماركسي :

 كان عنصر جذب للكثير من أبناء المجتمع ليس بسبب الايمان بمباديء الماركسية، وإنما لأن الحزب الشيوعي كان يوفر لهم البيئة المناسبة للتعبير عن تمردهم وإحتجاجاتهم على القمع الأسري والعشائري والاجتماعي والديني وإضطهاد السلطة وإعطاء شرعية ودعم من قبل جماعة تشاركهم نفس الميول، وكما هو معروف كان أغلب عناصر الحزب الشيوعي من طبقة العمال والفلاحين البسطاء وكان أكثرهم لايجيدون القراءة والكتابة ولايفقهون شيئاً عن الماركسية، وحتى الحديث بالماركسية والايمان بها من قبل البعض الذي يأتي لاحقا هو غطاء للدوافع اللاشعورية الأصيلة الرافضة للتقاليد والسلطويات المختلفة و ليس له علاقة بالسياسة وأهدافها.

 

 

التيار القومي :

ونقصد به العربي وكافة الاحزاب الكردية مهما كانت تسمياتها فهي أحزاب قومية، وكذلك التنظيمات التركمانية، أن تحول الهوية القومية الى أيديولوجيا سياسية عنصرية هو إمتداد لتقاليد ومفاهيم القبيلة بكل ما تعنيه من تخلف وظلامية، ودوافع إنخراط الافراد في الاحزاب القومية هو إحياء لحياة القبيلة وتكريس للعنصرية، ومن الناحية النفسية يحصل الفرد هنا على نفس المشاعر التي تمنحها القبيلة للافراد من مشاعر الامان والقيمة والاعتبار ويتخلص من مشاعر الدونية والنقص من خلال التماهي بالجماعة القبيلة / الحزب، وتغذية نرجسيته عن طريق مقولات وشعارات  تلعب على وتر التعصب العرقي والاعلاء من شأنه عبر عمليات الحفر التاريخي والبحث عن أمجاد الماضي وإستحضارها ونفخها وإسباغ صفات البطولة والتفوق بمساعدة أكداس من القصائد الشعرية والحكايات الاسطورية.

 

التيار الاسلامي :

 دخول الاسلام السياسي الى الحياة السياسية يعد من أخطر فصول تاريخ العراق الحديث، إذ أن هذا التيار يعتبر تهديداً حقيقياً للوحدة الوطنية نظراً لطبيعة توجهاته الطائفية، وكذلك يشكل خطراً كبيراً على الحريات العامة والديمقراطية وتنمية المجتمع بأتجاه العلمنة والليبرالية، كلنا يعرف أن أعداداً كثيرة من أبناء المجتمع انخرطوا في التيار الاسلامي وتعرضوا للاعتقال والاعدامات، ولكن رغم كل هذه التضحيات الهائلة فأنهم لم يكن لديهم أي مشروع سياسي وطني لصالح عموم البلد ، فدوافع إنضمام عناصر هذا التيار ليست لها علاقة بالشعارات المعلنة من قبيل محاربة الظلم والدكتاتورية ونشر العدالة والقيم النبيلة في المجتمع، وإنما ترجع الى عوامل لاشعورية تدفع الفرد الى خيار الاسلام السياسي - وليس الايمان بالعقيدة الاسلامية المقدسة - فهذا التيار إستقطب الافراد الذين لديهم ميول (( ماسوشية )) عميقة تدفعهم لمعاقبة الذات عن طريق توريطها في نشاط خطر يؤدي بها الى تلقي العذاب والموت تحت ذريعة الجهاد ونيل الشهادة. لاحظ الاحتفاء والتباهي الغير طبيعي بحوادث الاعتقال والتعذيب والاعدامات من قبل التيار الاسلامي، فليس من المعقول كل هذه الاحتفائية والافتخار الدائم بهكذا مشاهد بشعة، ولو كان الهدف كسب مرضاة الله تعالى ودخول الجنة فأن تحقيق هذا الهدف لايحتاج الى ممارسة العمل السياسي ضمن الأحزاب الدينية، وإنما مجرد العمل الصالح لخدمة المجتمع وأداء العبادات كفيل بتحقيق هدف المؤمن بدخول الجنة.

 

أن العملية السياسية برمتها و بمشاركة كافة الاحزاب طوال تاريخ العراق الحديث كانت عبارة عن صراعات وإنقلابات دموية وعبث وتوريط أبناء الشعب ودفعهم الى المعتقلات والاعدامات ولعل أخطر ما فيها هو ان النشاط السياسي للفرد العراقي المتحزب كان دوماً يفتقر للأهداف الوطنية المخلصة التي تهتم بمصالح العراق أولاً بعيدا عن المصالح الشخصية والحزبية والطائفية والقومية ، ولاغرابة من فشل الاحزاب والنخب السياسية منذ تأسيس الدولة العراقية الحديثة 1921 ولغاية الآن في بناء دولة وطنية علمانية حديثة لأن من يقود العملية السياسية كانوا ومازالوا مجرد أناس مشوهة نفسيا وعقليا واخلاقيا فشلت حتى في الوصول الى مستوى حياة حشرات النمل في التنظيم والتعاون والعمل من أجل مصلحة الجميع!!!

 

 

غياب رجل الدولة

لعل من أحد أكبر عيوب الشخصية العراقية المزمنة هو الافتقار الى وجود رجل الدولة الذي يتمتع بمزايا الكاريزما والقوة الداخلية المشعة على المحيط المقرونة بالذكاء والقيم الاخلاقية والانتماء الوطني الحقيقي والقدرة على أستقطاب الجماهير وجمع الفرقاء والسير بهم بأتجاه هدف واحد لدى الجميع وهو بناء الوطن.

في مجتمع أبوي / سلطوي كالمجتمع العراقي الذي تقوم فيه العلاقات الاجتماعية على التراتبية وفق نمط (الراعي والقطيع) ، حيث تنعدم فيه المساواة وتفصله مسافات شاسعة عن دولة المؤسسات.. يصبح من الضروري وجود رجل الدولة كحاجة ملحة لممارسة دوره السياسي والرمزي الابوي الذي يحل محل سلطة الاب وشيخ القبيلة ورجل الدين.

لقد عانى العراق كثيراً من عدم وجود رجل الدولة الوطني من طراز العظماء : تشرشل وديغول وجورج واشنطن وميتران... وكان البلد تائهاً في صحراء الانقلابات العسكرية والصراعات الحزبية الصبيانية والتكالب على الاستئثار بالسلطة.

وتعتبر منظومة التقاليد والاعراف والأساليب التربوية في البيت والمدرسة والجامعة وعموم الثقافة العراقية مقبرة حقيقية قامعة لنمو وتفتح شخصية الفرد وتنمية قدراته الطبيعية في التعبير عن ذاته بعفوية داخل محيط الأسرة وفي مختلف نواحي الحياة، فكل شيء تجده مأزوما ومتوترا وغير عفوي اذ لايوجد إحترام لحق الاختلاف وحرية التعبير، والبعد الانساني مفقود في العلاقات الاجتماعية حتى لو حفلت بالعواطف الهوجاء المتطرفة في حالتي الحب والكراهية.

 وينظر دائماً الى موضوع الزعامة بمعناه الايجابي الشامل .. ينظر الى هذا الامر من قبل المجتمع بالكثير من الشكوك والاتهامات والتخوين والسخرية... أذ يتم الخلط بين مفهوم الزعامة الوطنية الشريفة الضرورية لضبط إيقاع المجتمع وتوحيده، وبين الساسة الانتهازيين الذين إغتصبوا السلطة ومارسوا القمع الدكتاتوري وأحدثوا الكوارث المعروفة، وأيضا ينظر كذلك  معهم الى الساسة الانتهازيين من خارج السلطة الذين تاجروا بدماء الشعب ومصيره، ومع هذا ورغم كل هذه الاعتراضات تجد ان قطاعات كبيرة من المجتمع تنقاد الى زعامات دينية وعشائرية وسياسية هزيلة بلا مصداقية ولعل هذا السلوك يكشف ليس عن أزدواجية الشخصية العراقية، وإنما عن تعدديتها وتشظيها وإضطرابها المميت.

 

وفي ظل أجواء سلطوية مليئة بالممنوعات والمحرمات وإنعدام كل أشكال الحرية والاساليب التربوية العلمية السليمة.. سيكون من الطبيعي أن يصاب الفرد بمرض (( الخصاء النفسي )) وتكمم قدراته وتقتل مواهبه في مجال الزعامة وأخذ زمام المبادرة لقيادة المجتمع قيادة حقيقية بعيداً عن الاعتماد على أسم العائلة وسلطة القبيلة والقدرات المالية وشبكة العلاقات والحيل  لخداع الجماهير.

 ان الدرس العراقي المستخلص من هذه التجربة الدامية الممتدة منذ قيام العراق الحديث سنة 1921 هو أنك لاتستطيع نزع جلد المجتمع وتغيير بنيته مهما كانت النوايا حسنة والمخططات علمية سليمة وتصب في مصلحة الشعب ، فمحددات الشخصية العراقية - غالباً - ماتكون ضد المنطق والعقل ومسار الخير .

 

الفشل في النشاط الجماعي المؤسساتي :

 الفشل في النشاط الجماعي مشكلة مزمنة بحجم الكارثة تتجسد على شكل إخفاق دائم في كافة النشاطات المؤسساتية إبتداءاً من النشاط الحزبي لجميع الاحزاب ونزولاً الى النقابات والجمعيات والاتحادات، حتى ادارة مساجد العبادة التي يفترض توفر نكران الذات بمن يشرف عليها فشل العراقيون في إدارتها بما فيها المساجد في أوربا وأمريكا الموجودة في وسط مناخ ديمقراطي وبلدان تشتهر بالعمل المؤسساتي ومع هذا تجد المشاكل بين المشرفين عليها من العراقيين وحدوث الصراعات والانشقاقات بينهم.

 قبل الدخول في تفاصيل هذه المشكلة يجب التفريق أولاً مابين الطاقات الفردية التي أنجبها المجتمع وقامت بمبادرات إجتماعية ووطنية  وأمتلكت مواهب متميزة ، فقد حفل العراق بالطاقات الفردية العظيمة ، ولكن كان تأثيرها معدوماً ولم تحقق النجاح المطلوب ضمن إطار العمل الجماعي.

 وكما هو معروف أن النجاح في العمل المؤسساتي يعبر عن درجة الرقي الحضاري وحضور سلطة العقل في تنظيم الحياة والشعور بالمسؤولية حيال المجتمع والوطن وهو ما يتطلب توفر صفات نكران الذات ، والاستمتاع في ممارسة العمل الجماعي النبيل لخدمة الناس وتنظيم الحياة وديمومتها.

 يؤمن التحليل النفسي أن المحرك الاساسي للسلوك ـ ليس العقل ـ وإنما هو منطقة اللاشعور وما تحويه من غرائز وذكريات وترسبات وعُقد تغذي الفكر والمشاعر والسلوك وفق منطقها ونظامها الخاص، وليس وفق ما يريده العقل، فالعمر الزمني والتعليم والثقافة لاتعني أن الشخص متوازن نفسياً ويستطيع الانخراط في المجتمع ويساهم في أدارة شؤونه.

 

ومن أهم المعوقات التي تسبب الفشل في النشاط المؤسساتي هي :

 - المبالغة في محاولة توكيد الذات.

- إنعدام وجود الايمان في قيم الخير والاستمتاع بالعمل الجماعي.

- الشك في نوايا الاخرين.

 بالنسبة لقضية المبالغة في توكيد الذات داخل إطار الجماعة فأن سبب إنحراف هذه النزعة عن مسارها الطبيعي يعود الى الشعور بالدونية والنقص الذي يدفع صاحبه الى الهرب من هذا المرض المؤلم فيصدر عنه رد فعل يأخذ شكل سلوك متصلب خشن وميول للتسلط والدكتاتورية  وبالتالي يصعب عليه التكيف والانسجام مع الجماعة في نشاط ما ولهذا ترى الصراعات أجل الهيمنة والتسلط الذي يتيح للفرد الهرب من شعوره القاسي بالنقص، وهذا الوصف ينطبق على كل من يحاول الظهور بمظهر الانسان القوي الشخصية، فرغم كل مظاهر العنتريات التي التي يبدو عليها ألا انه في حقيقته هو انسان ضعيف ومهزوز ومعذب بمشاعر النقص هذه.

 أما إنعدام وجود الايمان في قيم الخير والاستمتاع بالعمل الجماعي، فأن التشوهات النفسية تحول دون تحسس القيم العليا وتذوقها لذاتها بأعتبارها تمثل الخير المطلق بغض النظر عن درجة الالتزام بمفاهيم وأحكام الدين، فالترقي النفسي للوصول الى مرتبة عشق القيم النبيلة وممارستها على أرض الواقع.. تستوجب مغادرة الفرد بسلام لمرحلة ( نرجسية الطفولة ) والخروج من شرنقة الذات والعمل بشكل معافى مع الجماعة وهذه المرحلة تتطلب نضوجا في الجانب الاجتماعي في الشخصية.

 بقية قضية الشك في نوايا الاخرين وإنعدام الثقة فيهم كأحد أسباب مشاكل العمل المؤسساتي، فأن هذا الشك هو عرض لمرض الشيزوفرينيا / الانفصام الذي من مظاهره الشكوك الدائمة بالاخرين وتوهم غدرهم وتأمرهم.

 أن المجازر النفسية التي يتعرض لها الفرد العراقي والذي ما أن يفتح عينه على الحياة حتى يجد نفسه مطوقاً بسلسلة من الاعراف والتقاليد والثقافات والممارسات من مختلف الجهات.. هذه المجازر كفيلة في قتل فرص التمتع  بالصحة النفسية ووقف نمو الشخصية ونضج مشاعرها وإنفعالاتها وميولها وتحسسها للقيم وقدرتها على التكيف مع الجماعة.

 والسؤال المصيري الذي يواجه العراقيين جميعا هو : اذا قد كنا  فشلنا في كافة تجاربنا الحزبية والنقابية وكل نشاط جماعي يتطلب الاتحاد كفريق واحد والعمل من اجل مصالح العراق  ... واذا قد كنا فشلنا في هذا الركن الاساسي في بناء الوطن والمجتمع وتقدمه هل فكر احد منا كيف سنبني العراق ونحافظ عليه ونحن مازلنا نتعامل بأنانية صبيانية تمليها علينا مصالحنا الشخصية والحزبية والطائفية والعرقية ونسينا مصلحة الوطن المقدسة ؟!

 غياب إحترام حق الاختلاف

 في مجتمع أبوي قائم على نظام الراعي والقطيع وتتجذر فيه الاعراف القبلية وسلطة المؤسسة الدينية وتشيع فيه مفاهيم مغلوطة تضفي الشرعية على القمع والسلوك الدكتاتوري وإلغاء الأخر المختلف  من قبيل المفاهيم التالية:

 ((الأب هو الرب الثاني / الأكبر منك بيوم أكبر منك بسنة / فلان شخص مهذب يذهب ويجيء في طريقه صامتاً لادخل له بما يحدث من حوله / الانسان الجيد هو الذي يسمع نصائح الاخرين الاكبر منه سناً / فلان يبدوعليه شخص سيء غير مهذب لايسمع نصائحي وكلامي / لقد قطعت علاقتي به وانهيت صداقتي معه لانه شخص عنيد وافكاره لاتعجبني ولايفكر مثلي/ انه صديق جيد ينسجم ويتطابق معي في كل شيء)) هذه طائفة من المفاهيم  المشوهة والخطيرة التي تتحكم بمفاصل العلاقات الاجتماعية وطريقة التعامل مع الاخر المختلف.

ترتكز ممارسة الحريات العامة والديمقراطية السياسية على قاعدة أساسية هي ضرورة الايمان بوجود (( فروق فردية ))  بين البشر من حيث القدرات والمواهب والافكار والمشاعر والامزجة وردود الافعال والسلوك ومن حق كل أنسان التعبير عن ذاته وإختلافه عن الاخرين، وبناءا على هذا الايمان والقناعة بوجود هذه الفروق الفردية ينتج إحترام حق الاختلاف من قبل الناس الاسوياء والمجتمعات المتحضرة.

ويلعب مرض (( العصاب / خلل وظيفي)) دوراً رئيساً في شيوع الدكتاتورية بشقيها الاجتماعي والسياسي وإنعدام إحترام حق الاختلاف، فالشخص العصابي مأزوم دائماً ويرتدي عدة أقنعة إجتماعية، ويعتمد شعوره بالاستقرار والامان النفسي وقيمته أمام نفسه والمجتمع على درجة مقبوليته من قبل الاخرين وأنسجامهم مع أفكاره وتصرفاته، وفي حال حدوث أي إختلاف معه في التفكير والقناعات والسلوك سيشعر ان أحساسه بالامان النفسي مهدد وعندها ستتحرك في داخله مشاعر الدونية والنقص وستصدر عنه ردود افعال عدوانية تأخذ عدة أشكال كأستخدام السخرية والتهكم وشتى أنواع العدوان اللفظي وربما يتطور الأمر الى أستعمال القوة والسجن والاعدامات والحرب الأهلية في المدن .

 

لقد أثبتت الاحداث خطر الديمقراطية على المجتمع العراقي.. فقد أنطلقت غزائز المجتمع البدائية واصبحت الاكثرية من مختلف الطوائف والاعراق تتعامل بصورة إفتراسية وحشية فيما بينها ومع الوطن والممتلكات العامة وأنتشر الفساد الاداري والارهاب والقتل ... أنه ألأنفلات من أسطبل الدكتاتورية الى فوضى الشارع الذي تتلاعب به الاحزاب وأجهزة المخابرات الايرانية والسورية وعملاؤها.

ان من أخطاء الديمقراطية هو مثاليتها وتفاؤلها المفرط في توهم ان نظام الحكم السياسي الديمقراطي هو وصفة سحرية ناجحة لكافة المجتمعات من دون مراعاة الفروق البنيوية للمجتمع المراد تطويعه للديمقراطية ، وسنشرح لاحقا  كيف ان الانسان العراقي لايصلح للديمقراطية حتى أولئك الذين عاشوا سنوات طويلة في أروبا وأمريكا في قلب الديمقراطية .

مشاعر الانتماء الوطني

 أحد أسباب خراب العراق يكمن في غياب مشاعر الانتماء الوطني لدى الغالبية العظمى من المواطنين وخصوصاً النخب السياسية التي تلهث خلف مصالحها الشخصية والحزبية والطائفية والعرقية وهنا مكمن الكارثة ، علماً ان  هناك فرقا بين مشاعر الانتماء الوطني الحقيقي، وبين الحنين للمكان والمدينة والازقة والشوارع والعادات والتقاليد، فالحنين شعور عفوي تشكل بفعل الاعتياد والادمان ولايترتب عليه أي التزام إخلاقي وسياسي وطني، بينما الانتماء الوطني موقف وخيار وشعور  شريف بالمسؤولية وتفضيل واع لمصلحة الوطن على كافة المصالح الاخرى.

 من اسباب إنعدام وجود مشاعر الانتماء الوطني.. هو عملية الخلط بين السلطة والوطن، فرغم غياب حقوق المواطنة ومصادرتها من قبل السلطات المتعاقبة على حكم العراق، وحرمان المواطن من حقوق : المساواة أمام القانون، والتوزيع العادل للثروات، والمشاركة في صنع القرار السياسي والتعبير عن افكاره بحرية... ألا أنه حصل خلط تمثل في زحف مشاعر الكراهية على ظلم السلطة الى صورة الوطن فتساوى في الكراهية السلطة والوطن وهذه مشكلة في الادراك والوعي يتحمل الجميع مسؤوليتها.

 ولهذا على سبيل المثال نجد المواطن العراقي لايحافظ على الممتلكات العامة ، وعند أقرب فرصة ممكنة نجده يسرق وينهب ويحطم ممتلكات الدولة ودوائرها باعتبارها رمزاً للسلطة الغاشمة ، ولعل صور الفساد الاداري البشعة هي احدى تطبيقات زحف مشاعر الكراهية للسلطة الى صورة الوطن ومؤسساته ، فالمواطن العراقي للأسف لايشعر بأي حرج او تأنيب ضمير او حرمة اخلاقية ودينية عندما يقدم على سرقة الدولة والمال العام !

 العامل الاخر هو تنازع الاستقطابات والانتماءات العشائرية والمناطقية والطائفية والعرقية وإفتراس مشاعر التعصب  وتغييبها وحجبها لمشاعر الانتماء الوطني مما يعكس حالة من التدني في المستوى الحضاري للأفراد والمجتمع.

 

وكذلك يوجد عامل اخر هو  تعرض الافراد لمشكلة الاحتجاز داخل قوقعة ( الطفولة النفسية ) وضآلة درجة النضج الوجداني/النفسي نتيجة المؤثرات الاسرية والاجتماعية والثقافية التي جمدت تمدد وتفتح وترقي الشخصية نفسياً وثبتتها على مرحلة الطفولة النفسية ومنعتها من النضج والشعور بالمسؤولية والانفتاح على القضايا العامة بأخلاص بغض النظر عن العمر و درجة التعليم والثقافة.

ان المرتكز الأساسي لبناء الأوطان يعتمد على مدى توفر مشاعر الانتماء الوطني لدى الاحزاب والنخب السياسية والجماهير ، وفي العراق ومنذ تأسيسه الحديث سنة 1921 لم ينجب المجتمع ايا من الاحزاب والنخب السياسية الشريفة الوطنية التي تضع مصالح العراق أولا ، وكانت كافة التضحيات وماتعرض له ابناء العراق من سجون وتعذيب وأعدامات هي غالبا لأسباب حزبية وليست وطنية ، فالشيوعي كان يسجن ويعدم لأنه كان يتآمر على الدولة لغرض الهيمنة على السلطة وتحويل العراق الى بلد شيوعي وهذا ليس نضالاً وطنيا من اجل جميع العراقيين وانماهو عبارة عن اطماع حزبية ، وكذلك الاسلامي عندما كان يسجن ويعدم فأن تضحياته كانت لغرض تطبيق نظام حكم اسلامي في العراق بعد الاستيلاء على السلطة وبالتالي فأن مشروع الاسلاميين ليس وطنيا وانما طائفيا خطرا على مستقبل العراق ، ونفس الكلام ينطبق على التيار القومي الذي كان يريد تطبيق القومية العربية العنصرية ، وكذلك العصابات الكردية التي كانت عبارة عن مجموعة من المرتزقة وبندقية للإيجار بيد اعداء العراق 

وبناءا على هذا الغياب المريع  لمشاعر الانتماء الوطني سوف ستفشل كل بنود الدستور مهما كانت براقة وجذابة وهامة، وستفشل كل مشاريع التنمية والبناء، وستفشل كل الجهود حتى على مستوى تنظيف مجاري مدينة بغداد.. طالما لاتوجد مشاعر إنتماء وطني لدى المواطن والسياسي.

 

التلاقح الحضاري

 يكمن امتياز الانسان في كونه يمتلك القدرات العقلية التي تمكنه من تغيير الواقع بفضل عمليات  التفكير والتفكيك والتركيب والابداع وهذا يتطلب وجود مرونة عقلية تتصف بالقدرة على التعلم وهضم المعرفة وإعادة انتاجها وفق ظروف الزمان والمكان ومقتضيات المصلحة الفردية والجماعية.

 وأذا سألنا : هل أستفاد المجتمع العراقي من معطيات الحضارة ؟.. يكون الجواب بالنفي قطعاً ، فعلى الصعيد السياسي إندفع العراقيون للانخراط في تنظيمات : ماركسية وقومية وأسلامية.. لم تحقق للبلد متطلبات التنمية والديمقراطية وكبدته خسائر كثيرة في الارواح وتبديد الثروات الوطنية، وقد كان السلوك السياسي للشخصية العراقية ضد البديهيات والمنطق ومصالح العراق وإتصف على الدوام ومازال بالتخبط والعشوائية والتدمير الذاتي.

 كانت الفاجعة الحضارية الكبرى التي فجعنا بها تتعلق بأحوال أبناء المجتمع العراقي المقيميين في أروبا وأمريكا وكندا وأستراليا، فهؤلاء وفق القوانين الطبيعية للترقي الاجتماعي والحضاري والتأثير والتأثر.. يفترض بهم أنهم تعلموا من تجربة هذه المجتمعات الناجحة في مختلف المجالات وخصوصا فيما يخص العمل المؤسساتي وسلطة القانون واحترام الحريات العامة.

 ألا أن هذه التجمعات العراقية فشلت تماما في التكيف مع إنجازات الحضارة وتطوير ذاتها.. فقد أخفقت على الصعيد الجماعي في تأسيس جمعيات وأتحادات وأحزاب وطنية ديمقراطية تعمل لخدمة العراق، حتى على صعيد السلوك الفردي اليومي نجد المهاجر العراقي ـ غالبا ـ ما يلجأ الى أستغلال أجواء الحرية وحقوق الانسان للاحتيال على القوانيين والقيام بمختلف أعمال الغش  والسرقة داخل الدول التي وفرت له اللجوء والسكن والراتب الشهري ومنحته جنسيتها ـ ونحن هنا لانعمم على جميع المهاجرين وإنما نتكلم عن الغالبية العظمى.

 لقد بات سلوك ـ غالبية ـ العراقيين في المهجر مثيرأ للاشمئزاز، فهل يعقل أن يمارس العراقيون في قلب الدول المتحضرة طقوس عاشوراء وضرب الرأس بالسكاكين والانغلاق والتقوقع داخل تجمعات تشبه أقفاص الدجاج، ومن المقرف سماع الدعوات الطائفية والعرقية تصدر عن الجاليات العراقية التي تعيش في بلدان علمانية ليبرالية تطبق مفهوم دولة المواطنة على الجميع، فمن المستهجن أنطلاق الدعوات الطائفية من المهاجرين الشيعة الذين يشكلون نسبة الاكثرية في الخارج، وكذلك الاطروحات العرقية الشوفينية للاكراد لدرجة ترى حتى الكتاب الاكراد الذين يعيشون في رحاب الحضارة الغربية عندما يقوم كاتب ما بالتعريف عن نفسه يذيل أسمه بأنه كاتب كردي فقط وليس مواطن  عراقي رغم انم جميع الأكراد يعيشون بفضل اموال وخيرات العراق مما يدل على عنصرية و سخف عقليات هؤلاء الكتاب.

 يفسر التحليل النفسي ظاهرة إنعدام التلاقح الحضاري ويرجعها الى عدة أسباب منها : الخوف من الانفتاح على الاخر وحضارته بسبب مشاعر النقص التي تدفع الافراد الى التمترس خلف جدار الاعراف والتقاليد بحجة الحفاظ على الهوية والدين والاخلاق، بينما القضية في جوهرها تكمن في وجود مشاعر النقص والخشية من التغيير فالجمود وأبقاء الاوضاع كما هي دون أحداث تبديلات يوفر للخائفين الشعور بالامان النفسي والاستقرار الزائف.

 

أن التحجر ورفض التطور والتغيير وأستلهام تجارب الاخرين الناجحة يصفه التحليل النفسي بالعناد (( والتشنج العقلي )) الذي يجعل صاحبه مفتقراً للمرونة العقلية والقدرة على رؤية زوايا الحياة المختلفة ويجعله ساكناً.. سكون أهل القبور.

 واذا كان  المواطن العراقي قد فشل في رهان التغيير والتطور والحداثه وهو يعيش في قلب الحضارة وفتحت أمامه كل سبل النهوض والتقدم على صعيد أستلهام قيم وجمالية الحضارة الغربية والتعلم منها طرق التفكير والتعامل الديمقراطي واحترام القوانين وتقديس العلم والعقلانية والعمل المؤسساتي الجماعي وأدراك أهمية مشاعر الانتماء الوطني والاخلاص للوطن في عملية التنمية والبناء  ورغم كل هذه الفرصة الذهبية ولكنه فشل تماما ... فاذا كان العراقي الذي يعيش خارج العراق أخفق في كل هذا .. فمن الطبيعي ان يخفق العراقي الذي يعيش داخل العراق وتفشل مشاريع التغيير والتقدم وتستمر الفجيعة والكارثة !!

 المستقبل والحتميات البايلوجية

 أن الايمان بمبدأ المساواة بين البشر لايمنع من الاقرار بوجود فروق في الاستعدادات والامكانات والمواهب والطاقات لدى الافراد والجماعات والشعوب ، والاطروحة المركزية التي أركز عليها هنا هي تتعلق بتفوق أعراق معينة دون غيرها بطبيعة بنيوية تكوينية بعيداً عن مؤثرات التعليم والثقافة والظروف وأعني بها الحتميات البايلوجية، وهذه الاطروحة ليست لها علاقة بقضية العرق السامي والآري التقليدية العنصرية، فالاكراد والتركمان على سبيل المثال ينتمون الى العرق الآري ولكنهم من النوع الرديء المحدود الامكانات الغير متطور ، فالمقصود هنا جينات  الشعوب الشرقية بكافة أعراقها وطوائفها .

والحديث عن ماضي الشخصية العراقية وحاضرها ومستقبلها مرتبط بموضوع نوعية بنية هذه الشخصية البايلوجية المسؤولة عن أمكاناتها وفكرها ومشاعرها وسلوكها على الدوام وبمعزل عن عوامل : التعليم والثقافة والظروف، فالافراد هنا منقادين بواسطة حتميات بايلوجية ثابتة وسأورد بعض الامثلة عن دور الحتميات البايلوجية في صنع تاريخ الشعوب وعموم النهضة العلمية والفكرية .

لنأخذ مثال دولة جنوب أفريقيا التي ظلت لمدة آلاف السنين تعيش هي وكافة دول القارة الافريقية في تخلف وفقر ومجاعات ووحشية على كافة الصعد ... لحين قيام مجموعة من الاوربيين البيض بغزوها وحكمها بالقوة، وخلال فترة قصيرة تمكن النظام العنصري الذي قاده الاوربي من بناء دولة عصرية فيها مؤسسات ونهضة صناعية وصلت الى درجة صناعة الاسلحة وبضمنها القنبلة النووية في الوقت الذي فشلت جميع الدول الافريقية المحكومة من قبل أبناء البلد في بناء دول بمستوى دولة جنوب أفريقيا الحالية.

مثال أخر يخص أستراليا التي كانت جزيرة بدائية متخلفة في كل شيء لغاية إقدام بريطانيا على إبعاد مجموعة من السجناء البريطانيين من أصحاب الجرائم الكبيرة اليها، وخلال فترة قصيرة تمكن هؤلاء السجناء  من بناء دولة ديمقراطية زراعية صناعية فيها رفاهية اقتصادية وهو الامر الذي عجز عنه سكان البلد الاصليين منذ آلاف السنين.

وكلنا يعرف قصة المعجزة الأمريكية التي صنعها المهاجرون الاروبيون البريطانيون والفرنسيون والالمان في بناء أعظم دولة على وجه الارض من كافة  النواحي وخلال فترة زمنية قصيرة بعد أن كان سكانها الاصليون الهنود الحمر يعيشون حياة بدائية .

أما عن سبب حدوث هذه المفارقة المتمثلة في فشل سكان البلد الاصليين في بناء أوطانهم وقيادة أنفسهم ونجاح المهاجرين في بناء هذه البلدان فأن هذا الامر يعود الى الفروق البايلوجية التي يمتاز بها أبناء المجتمعات الاوربية وتحديدأ دول أوربا الغربية وفي مقدمتها بريطانيا وفرنسا والمانيا.

ماذا عن المجتمع العراقي ؟.. نفس الكلام ينطبق عليه، فالمجتمع العراقي فشل على مر التاريخ في قيادة نفسه وبناء وطنه وألاستفادة من الثروات الطبيعية الموجوده في أرضه، أنظروا الى التاريخ وستجدونه متخماً بالصراعات والحروب والقتل والخراب الشامل وسلسلة متواصلة من عمليات التدمير الذاتي، والسبب يعود الى بنية وتكوين الشخصية العراقية وأمكاناتها المحدودة غير القادرة على بلوغ درجات الترقي والتطور النوعي رغم تراكم تجارب التاريخ حتى لو توفر لها الظرف المثالي في التعليم والثقافة والحرية كما هو حال افراد الجاليات العراقية في دول أوربا وأمريكا وكندا وأستراليا الذين فشلوا في تحقيق أي تطور على صعيد السلوك الحضاري والنشاط المؤسساتي والابداع العلمي والفكري المتميز.

ماذا عن مستقبل العراق ؟.. للأسف البلد يقف على كف عفريت ويعيش في خطر دائم ولكن لاأحد ينتبه للكارثة.. فالعراق مهدد في كل لحظة من خطر إكتشاف بدائل للنفط في مكان ما  وعندها لاأدري كيف سيعيش الشعب من دون بيع النفط ؟.. دع عنك أوهام الخيرات الزراعية والسياحة الدينية  فالعراق يعيش من دون ضمانات اقتصادية للمستقبل وفي ظل وجود نخب سياسية  عبارة عن لصوص وعملاء فمؤكد ضاع حاضر ومستقبل العراق .

 

أن العراق لايوجد أمامه أي خيار وطني لقيادة نفسه في ظل القصور الذاتي الدائم للمجتمع وإنعدام وجود أحزاب ونخب سياسية وطنية ديمقراطية شريفة ، وفشل كل المحاولات التي قام بها العراقيون لقيادة أنفسهم منذ قيام الدولة الحديثة قبل ثمانين عاما ولغاية اللحظة الراهنة، فلم يبقى أمام العراق سوى خيار الوصاية الامريكية المباشرة التي لابد منها وبصورة مستمرة، فالعراق بحاجة ماسة للوصاية الامريكية في كل شؤونه .

ويجب على كل عراقي وطني شريف السعي بقوة الى اقامة علاقة صداقة استراتيجية دائمة مع الولايات المتحدة الامريكية ، فصداقة دول مثل أمريكا بأعتبارها أعظم دولة على وجه الارض هي أمنية عزيزة على قلب وعقل كل مواطن وشعب ذكي يريد بناء وطنه علميا واقتصاديا وعسكريا ، والخراب  الموجود في العراق لايستطيع الشعب  بأحزابه وساسته إيقافه فالشعب العراقي فشل دوما في قيادة نفسه وكان سبباً في تدمير نفسه وعليه لابد من وضع العراق تحت الوصاية الامريكية المباشرة وإلغاء الاحزاب والعملية السياسية وتشكيل حكومة انقاذ عسكرية مركزية تستخدم أقسى درجات الحزم والصرامة والقوة مع العراقيين لضبط فوضويتهم وهمجيتهم فقد أثبتت الاحداث ان العراقي لايستحق الحرية والديمقراطية ويجب رفع العصا فوق رأسه بأستمرار .

 

kodhayer@netzero.com

 

 المقال يعبر عن رأي كاتبه – وليس بالضرورة مطابق لرأي الديار في كل ما ورد فيه

 



© 2009 All rights reserved.
Powered by: PHPCow.com