قناة     
الديار    
الفضائية
الصفحة الرئيسية


 الدورة البرامجية

 السبت  الاحد  الاثنين  الثلاثاء
الاربعاء  الخميس  الجمعة

 

خريطة العراق





بدايات تأسيس نقابة للصحافة في العراق



مجلة عراقية قبل حمسين سنة

تاريخ العمل النقابي للصحفيين العراقيين
من عام 1930 حتى تأميم الصحافة عام 1967 ،

الجواهري لم يكن المؤسس، بل أول نقيب


كتابات - د.مليح صالح شكر ) باحث عراقي مقيم في نيويورك )


في ظل الظروف التي رافقت الانتخابات الأخيرة لنقابة الصحفيين العراقيين في بغداد ، ردد بعض الزملاء في كتاباتهم ، وتعليقاتهم وعدة مرات ، أحداثاً أو أفكاراً عن تاريخ النقابة، ومؤسسيها ، ونسب بعضهم البداية ، الى من هم ليسوا فعلاً من مؤسسي العمل النقابي بشكل مباشر.
ومن هذه الآراء، من كتب ليقول بأن الشاعر محمد مهدي الجواهري، هو مؤسس نقابة الصحفيين العراقيين، وبالرغم من أنه، كان أول نقيب للصحفيين عام 1959، ولكن الحقيقة هي أنه لم يكن مؤسس النقابة الفعلي .
والمعروف في تاريخ الصحافة العراقية، أن الصحفيين افتقروا ، ولفترة طويلة، لتنظيم نقابي يجمع صفوفهم ، ويدافع عن قضاياهم المهنية ، وينظم شؤونهم ، وقد لاحظتُ بأن الكثير من الدراسات حول تاريخ الصحافة العراقية قد مرت مروراً عابراً على موضوع العمل النقابي للصحفيين.

وما توصلت ُإليه في دراستي للتاريخ السياسي للصحافة العراقية ، هو أن موضوع قيام جمعية أو نقابة للصحفيين قد أثير في وقت مبكر من تاريخ العراق الحديث ، وتكررت أثارته عدة مرات قبل نشوب الحرب العالمية الثانية عام 1939 ، حين عبرت الكثير من حكومات النظام الملكي في تلك الفترة عن اهتمامها بمثل هذه الفكرة ، دون أن تضعها موضع التنفيذ، وربما كانت تلك الحكومات تهدف من وراء إثارتها لمسألة نقابة الصحفيين ، فرض قيود رسمية على النشاط الصحفي .
وفي المحاولات الأولى لتأسيس نقابة ذات علاقة بالصحفيين، وردت أول إشارة لها في أول قانون للمطبوعات ، وهو القانون رقم 82 لسنة 1930 الذي أصدرته أول حكومة يترأسها نوري السعيد، وهو العام الذي شهد المعاهدة البريطانية العراقية التي كبلت العراق لمدة عشرين عاماً بعد انتهاء الانتداب البريطاني عام 1932 ،.
تقول المادة الأربعين من قانون المطبوعات الأول الذي وقعه الملك فيصل الأول، ورئيس الحكومة نوري السعيد، ووزير الداخلية مزاحم الباجه جي ، ووزير العدلية جمال بابان، ما يلي:
]
للحكومة أن تصدر أنظمة تتعلق بكيفية تأسيس نقابة للمطبوعات، والصفات اللازمة لتعيين المخبرين والمراسلين [ .
وناقش النواب في جلستين مواد القانون ، ووافقوا عليها، لأن نوري السعيد لم يكن مستعداً لقبول أي تعديل على ما أوردته مسودة القانون بالرغم من وعوده الكثيرة ،التي ترد بالتفصيل في الصفحات 973 -984 لمحاضر مجلس النواب لعام 1931، جلسة يوم7 أيار/مايو، وجلسة يوم 13 أيار 1931 .
ولم تعالج مناقشات مجلس النواب ، وكان نائب الموصل أحمد الجليلي، أكثرهم نقاشاً، مصطلح ( النقابة) الذي كان حديث الاستخدام ، لكنها تركزت على ( الصفات اللازمة) المطلوبة لتعين( المخبرين والمراسلين ) ، وكما هو معروف في الصحافة العراقية ، كانت صفة ( المخبر) تطلق في الماضي على ( المندوب الصحفي) المستخدمة في العراق منذ حوالي خمسين عاماً.
وفي مداخلته ، حصر النائب الجليلي حديثه على انتقاد القيود التي يفرضها القانون على ( المخبرين والمراسلين ) ، ولكن رئيس الحكومة نوري السعيد، برر استخدامها ( لمنع موظفي الحكومة ) ، من مراسلة الصحف والتعامل معها ، وليس ( وضع القيود الثقيلة) ، وأصر على آرائه ، ووصل الى ما أراده باعتماد القانون رسمياً.


ولم يتوفر في تاريخ الصحافة في العراق ، أي دليل ، على أن الحكومة كانت جادة في تأسيس نقابة للصحافيين أو للمطبوعات ، بالرغم من أن البلاط الملكي ،أحياناً ، صار طرفاً في الدعوة لقيامها ، وهو ما كان يهدف إليه كتاب البلاط الملكي رقم ج /235 بتاريخ 8 آب/ أغسطس 1932 ، الموجه الى مجلس الوزراء، ويتضمن التوصية بأن تكون ( جمعية الصحفيين) مماثلة لما هو معمول به في الدول الأخرى، ومن أجل جمع جهود الصحف ( لخدمة المصلحة العامة ).
وللأسف يتعذر عليٌ حالياً، معرفة مصير محفوظات المركز الوطني لحفظ الوثائق ببغداد، وكتاب البلاط الملكي المشار إليه أعلاه، إحداها ، وأحتفظ لدًي بنسخة مصورة له ، بعد أن أغتنم أعداء العراق وتاريخه وتراثه وحضارته ، الفوضى التي رافقت الغزو العسكري الأمريكي للعراق في نيسان 2003 ، وأحرقوا، ونهبوا ، الكثير من محفوظات ذلك المركز الوطني العراقي .
وكان نوري ثابت في مجلته ( حبزبوز) أشهر مجلات العراق آنذاك، مؤيداً لدعوة قيام نقابة للصحفيين  وكتب في عدد 10 تشرين الثاني/ نوفمبر 1931، بأن إنشائها ( سيساهم في إنقاذ الصحافة من الفوضى)

ولم تكن الظروف السياسة آنذاك مستقرة ، فشهد العراق إضرابات ومظاهرات وتجمعات، أغلبها ضد المعاهدة ، وضد رسوم البلدية ورسوم الكهرباء، حتى أنها أطاحت بوزير الداخلية مزاحم الباجه جي الذي أدار قمع أجهزة الأمن والشرطة للمضربين والمتظاهرين ، وبعدها بقليل استقال نوري السعيد ، ليكرر رئيس الوزراء الجديد رشيد عالي الكيلاني عام 1932 ، محاولة إنشاء نقابة للصحفيين ، وأدخلت حكومته نصاً مماثلاُ الى قانون مطبوعات جديد أيضاً، دون نتيجة .
ومع الكثير من السلبيات التي رافقت أول انقلاب عسكري في تاريخ العراق عام 1936، إلا أننا وجدنا أن ساسته، وليس قادته العسكريين ،قد اهتموا بمسألة إنشاء نقابة للصحفيين، وأن هذه الفترة شهدت أفضل محاولة بهذا الخصوص،بالرغم من أنها لم تصل الى نتيجة إيجابية، ربما أيضاً بسبب التناحر السياسي الذي دب في صفوف القائمين بالانقلاب.
وأشارت صحيفة ( الاستقلال ) لصاحبها عبد الغفور البدري، مرتين في 3 و17 تشرين الثاني/ نوفمبر 1936 ، أي بعد شهر من الانقلاب العسكري، الى أن ، رئيس الحكومة حكمت سليمان ، قد تداول مع عدد من الصحفيين في موضوع تشكيل نقابة خاصة بهم ، وأن أصحاب الصحف اجتمعوا فيما بينهم ،بعد ذلك بأسبوعيين، للتداول فيما بينهم .
ومن المؤكد ، أن الأشخاص الستة التالية أسماؤهم ، ممن حضر ذلك الاجتماع ، هم أول لجنة على الإطلاق في تاريخ العمل النقابي للصحفيين العراقيين، وهم كذلك رواد السعي لتأسيس نقابة الصحفيين ، وهم كما يلي :
-
عبد القادر إسماعيل البستاني، صاحب صحيفة ( الأهالي )
-
رزوق غنام ، صاحب صحيفة ( العراق )
-
يونس بحري ، صاحب صحيفة ( العقاب )
-
نوري ثابت ، صاحب مجلة ( حبزبوز )
-
ميخائيل تيسي ، صاحب صحيفة ( الناقد )
-
أنور شاؤول ، صاحب صحيفة ( الحاصد )

ومن المنطقي أن نفترض ، بأن جماعة الأهالي، النشطة سياسياً وثقافياً وصحفياً آنذاك، والممثلة في حكومة الانقلاب بعدد من الوزراء بينهم ، كامل الجادرجي ، كانت صاحبة الفكرة الأولى لتأسيس نقابة الصحفيين، خصوصاً وأن عبد القادر البستاني كان أحد أبرز مؤسسيها وقادتها، قبل أن يتحول الى الشيوعية ويهرب من العراق، وأن مؤسس الجماعة الآخر، حسين جميل ، شغل منصب مدير الدعاية العام ، والمسؤولة عن الصحافة آنذاك، وأن رئيس الحكومة حكمت سليمان ،نفسه كان عضواً في الجماعة قبل أن يتخلى عنها ، ويناهضها عندما أصبح رئيساً للوزراء .
هذا مع ملاحظة أن اللجنة هذه قد ضمت ، اليساري البستاني، والمحافظ رزوق غنام، والاديب، اليهودي العراقي أنور شاؤول، والصحفي ذائع الصيت يونس بحري، وأثنين من كبار ناشري صحف الهزل والفكاهة والنقد، نوري ثابت،وميخائيل تيسي.
وأتفق الصحفيون في هذا الاجتماع ، على عقد اجتماع ثان لهم مساء نفس اليوم 17 تشرين الثاني / نوفمبر 1936 في مكاتب صحيفة ( العراق ) لمواصلة البحث في نظام النقابة ، لكنني لم أعثر على أية نتيجة بالرغم من مراجعتي صحف تلك الفترة لتعقب أثر المحاولة دون جدوى.
ومن المحتمل جداً أن فشل هذه المحاولة جاء نتيجة لما كان سائداً في الحياة السياسية، وانضمام الصحف وأصحابها الى هذا الطرف أو ذاك في المعارك السياسة، وتبادلت الاتهامات حول الموقف من الانقلاب العسكري . حتى أن حكومة حكمت سليمان عطلت في الشهر نفسه، تشرين الثاني/ نوفمبر 1936 صحيفة ( الاستقلال) سوية مع صحف أخرى كان أصحابها أعضاء في اللجنة النقابية المذكورة أعلاه، ثم تعرضت الحكومة ذاتها لعاصفة سياسية ،وأستقال وزراء جماعة الأهالي منها، وأطاحت بصحيفة ( الأهالي) وهرب صاحبها البستاني الى خارج العراق، ثم أسقطوا الجنسية العراقية عنه، حتى استعادها بعد قيام النظام الجمهوري عام 1958، وكان عضواً في اللجنة المركزية للحزب الشيوعي السوري، وبعدها في اللجنة المركزية للحزب الشيوعي العراقي.
وشهد العام 1944، في الشهور الأخيرة للحرب العالمية الثانية، محاولة جديدة لتأسيس تنظيم نقابي للصحفيين ، عندما أجتمع أصحاب الصحف يوم 12 كانون الأول/ديسمبر 1944 في مكاتب ( صوت الأهالي) التي أصدرها كامل الجادرجي .وناقش المشاركون في الاجتماع مشروع تأسيس نقابة للصحفيين، ونشرت هذه الصحيفة في 13 كانون الأول/ ديسمبر 1944 ما اتفقوا عليه ، وكما يلي نصاً :
-
الشروع في تأليف نقابة الصحفيين في بغداد ، وحمل الحكومة على إصدار النظام المتعلق بتأليف النقابة.
-
الاحتجاج لدى الحكومة على تجاوز الرقابة على الصحف حدود سلطاتها القانونية بمذكرة يوقعها أصحاب الصحف .
-
عقد اجتماع ثاني مساء يوم 17 كانون الأول/ ديسمبر في إدارة صحيفة( العراق ) للبحث في نتائج تنفيذ الفقرتين السابقتين.

ووقع على هذه القرارات كلا من :
-
نور الدين داود ، صاحب صحيفة ( النداء)
-
يحيى قاسم ، صاحب صحيفة ( الشعب )
-
صدر الدين شرف الدين، صاحب صحيفة ( الساعة )
-
رزوق غنام ، صاحب صحيفة ( العراق )
-
روفائيل بطي، صاحب صحيفة ( البلاد )

وتحفظ كامل الجادرجي، صاحب صحيفة( صوت الأهالي) ، ومحمد مهدي الجواهري، صاحب صحيفة ( الرأي العام ) على نص الفقرة الأولى، لكنهما وافقا على أداء دورهما في التنفيذ ، حيث تولى الجواهري وداود إعداد الطلب الى الحكومة وفقا للفقرة الأولى، بينما تولى الجواهري والجادرجي إعداد مذكرة الاحتجاج حسب الفقرة الثانية أعلاه.
وفي اليوم التالي، تم عرض هذه القرارات على أصحاب الصحف الذين لم يحضروا الاجتماع ، فوافقوا عليها، ووقعها سليم حسون، صاحب صحيفة(العالم العربي) ، وتوفيق السمعاني، صاحب صحيفة(الزمان ) وعادل عوني، صاحب صحيفة ( الحوادث) ، لكن المحاولة هذه لم تصل الى مستوى التنفيذ التام، ولم تأخذ شكل التنظيم النقابي حتى وضعت الحرب العالمية أوزارها ، فدب النشاط لتشكيل الأحزاب والجمعيات ، فنجح الصحفيون في تأسيس أول تنظيم نقابي لهم ،أسموه ( جمعية الصحافة العراقية) ، رواده اثنان من قادة الأحزاب الوطنية.
وفي لقاء، في الماضي البعيد ببغداد ،تحدثت مع سلمان الصفواني ، صاحب صحيفة ( اليقظة) ، عن (الجمعية)، وأوضح لي بأن كامل الجادرجي، من الحزب الوطني الديمقراطي أصبح رئيساً للجمعية ، بينما كان هو، الصفواني ، من حزب الاستقلال، سكرتيراً عاماً .
وحققت هذه الجمعية نجاحاً ملموساً، حينما طالبت ، وحصلت عام 1948 على حق الإشراف على توزيع الإعلانات الحكومية والقضائية على الصحف اليومية والأسبوعية مع خصم عمولة للجمعية بنسبة عشرة بالمائة. لكن مصيرها تعرض للغموض، نتيجة الالتباس الذي وقعت فيه نقابة الصحفيين العراقيين ، عام 1973 حينما ذكرت في كتابها التذكاري ، أن الجمعية تعرضت للتعطيل عام 1950، بسبب إعلان الأحكام العرفية، بينما يشير فائق بطي، في كتابه ( صحافة العراق ) الى أن تلك الجمعية قدمت الى رئيس الحكومة، في أوائل عام 1951، مذكرة احتجاج على ( التصرفات الكيفية التي لا يقرها الدستور العراقي وتخلق بيئة سيئة ، لا تعرقل الصحافة فحسب، وإنما تؤخر الصحافة العراقية الناشئة ، وتجعلها في مستوى منحط مادياً وأدبياًً، وان الجمعية قابلت بأستياء، القرار الذي أتخذه مجلس الوزراء في 18 نيسان 1951 بتعطيل صحيفتي( العالم العربي) و( الأوقات البغدادية ) لمدة سنة.
ونحن بدورنا ، نميل الى الاعتقاد ، بأن هذه الجمعية قد تعرضت للتعطيل فعلاً ، ولكن ليس في عام 1950 ، بل في تشرين الثاني / نوفمبر عام 1952 ، عندما تولى الفريق نور الدين داود حكومة الطوارئ، وعطل كل الأحزاب والجمعيات والصحف المعارضة ، وأعلن الأحكام العرفية .
ولم تشهد السنوات المتبقية من عمر النظام الملكي في العراق ، أية محاولة أخرى لصالح أحياء التنظيم النقابي للصحفيين، بل أن مثل تلك المحاولات كانت ضرباً في المستحيل بعد أن تولى نوري السعيد مقاليد الحكومة مرة جديدة، وأصدر عام 1954 مراسيم تحظر الصحف والمجلات والأحزاب والجمعيات ،لتمهيد الطريق أمام إنشاء حلف بغداد الاستعماري.
ومن أكثر المفارقات غرابة في تاريخ الصحافة العراقية، وقمعها بمراسيم حكومة السعيد تلك، ومنها مرسوم المطبوعات رقم 24 لسنة 1954 ، قد نص في مادته التاسعة والثلاثين على ما يلي :
]
للحكومة إصدار نظام يعين كيفية تأسيس نقابة للصحفيين، وطرق الانتساب إليها، وإدارتها، وحقوق وواجبات أعضائها وما يتصل بشؤونها [.

هذا في الوقت الذي كانت المراسم الأخرى، لنفس الحكومة ،تحظر حظراً باتاً قيام الجمعيات والنقابات . ولم يكن إيراد مثل هذه المادة القانونية ظاهرة جديدة، بل أنها قديمة، ومنذ أول قانون عراقي للمطبوعات عام 1931 الذي أصدرته أول حكومة يشكلها السعيد ، وتكرر ذكرها في جميع ما صدر من قوانين ومراسيم وتشريعات ذات صلة بالصحافة . وهكذا بقي الحال ، على ما هو عليه، حتى ثورة 14 تموز 1958 والإطاحة بالنظام الملكي، وقيام النظام الجمهوري.

ولادة نقابة الصحفيين العراقيين: الجواهري لم يكن مؤسساً، بل اول نقيب:
حقق قيام النظام الجمهوري في العراق ، تطورات ايجابية كثيرة، في المجالات السياسية والاقتصادية والاجتماعية والثقافية والصحفية، وفتح الباب على مصراعيه لتأسيس النقابات والجمعيات والمنظمات المهنية بشكل لم يشهد العراق له مثيلاً في السابق.
وأغتنم الصحفيون العراقيون الفرصة، ويقول فائق بطي في كتابه( الموسوعة الصحفية) أن 45 صحفياً ، وكان هو أحدهم، اجتمعوا في نادي المحامين ببغداد، وتدارسوا مشروع تأسيس نقابة للصحفيين ، وأتفقوا على إختيار لجنة تأسيسية ضمن 11 صحفياً لإعداد الترتيبات الأولية للمشروع، والحصول على موافقة الحكومة .
وفي تقديرها ، أن هؤلاء الصحفيين الخمسة والأربعين ، بصفتهم الجماعية، وليس واحداً منهم ، أو بعضاً منهم، هم مؤسسي أول نقابة للصحفيين في العراق .
وضمت اللجنة التأسيسية التي انبثقت عن الاجتماع ، الأسماء التالية :
-
محمد مهدي الجواهري، صاحب صحيفة ( الرأي العام)
-
يوسف إسماعيل البستاني ، ممثلاً عن صحيفة ( اتحاد الشعب)
-
عبد الله عباس ، صاحب صحيفة ( الأهالي)
-
عبد المجيد الونداوي، رئيس تحرير صحيفة ( الأهالي)
-
صالح سليمان، ممثلاً عن صحيفة( صوت الأحرار)
-
فائق بطي، أحد أصحاب صحيفة ( البلاد)
-
موسى جعفر أسد، ممثلاً عن صحيفة ( الثورة)
-
حمزة عبد الله ، ممثلاً عن صحيفة ( خه بات) الكردية، وتعني ( النضال) بالعربية
-
صالح الحيدري ، من صحيفة( خه بات) أيضاً
-
حميد رشيد ، صحفي محترف
-
عبد الكريم الصفار ، صحفي محترف

وفي سنوات لاحقة، تسنى لي التحدث مع ثلاثة من رواد هذا العمل النقابي، وهم فائق بطي، وموسى جعفر، وصالح سليمان . وبينما أورد فائق بطي تجربته النقابية في مؤلفاته العديدة عن الصحافة العراقية، فأن ما يهمنا هنا هو ، ما قاله لي موسى جعفر عن تلك الولادة لنقابة الصحفيين، موضحاً أن أثنين من أعضاء اللجنة التأسيسية ، هما حميد رشيد وعبد الكريم الصفار، كان الأكثر نشاطا من الأعضاء الآخرين، في إعداد مشروع تأسيس النقابة ، بينما أختار أعضاء اللجنة، مكتب عبد الله عباس ، صاحب صحيفة ( الأهالي) لعقد اجتماعاتهم لتدارس النظام الداخلي وأحكامه، وصيغة استمارة العضوية.
وقبل أن ننتقل الى الرأي الثاني ، نحتاج هنا للإشارة الى الظروف السياسية العاصفة التي كانت سائدة في تلك الأيام ، آذار/ مارس 1959 ، وشهد العراق خلال هذا الشهر، استقالة وزراء قوميون من الحكومة، وأحداث الموصل الدامية ، وسيطرة الشيوعيون تماماً على الحياة السياسية والنشاطات النقابية وغيرها ، وبالتالي على نشاط اللجنة التأسيسية لنقابة الصحفيين، مع عدد من الذين يؤيدونهم ، فانهمكت تلك اللجنة ، ليس بالأمور المهنية ، بل بالموضوعات السياسية حصراً ، وشاركت بنشاط في موجة العداء ، والمطالبة ( بإعدام المتآمرين) من الضباط الذين شاركوا في محاولة العقيد عبد الوهاب الشواف ، قائد حامية الموصل، للإطاحة بحكومة عبد الكريم قاسم ، ووصل التطرف السياسي بأعضائها الى حد إستعداء رئيس الحكومة، الزعيم قاسم، على الصحف ذاتها ، ودعوته الى ( كم أفواه الصحف الصفراء المعادية للجمهورية) .
وفي قاموس مصطلحات تلك الفترة من تاريخ العراق ، أن مصطلح( الصحف الصفراء) أو ( المعادية للجمهورية) لم يكن يعني، سوى تلك الصحف غير الشيوعية، بما في ذلك صحيفة( الثورة) لصاحبها يونس الطائي، التي نشرت بتاريخ 14 آذار/ مارس 1959، ذلك النداء من اللجنة التأسيسية الى رئيس الحكومة ، ولها ممثل في اللجنة التأسيسية، هو موسى جعفر أسد .
وانقضى شهران، دون أن تمارس اللجنة التأسيسية نشاطاً ، سوى النشاطات السياسية، وفي 8 أيار/ مايو 1959، قابل أعضاؤها ، رئيس الحكومة الزعيم عبد الكريم قاسم، في مكتبه بوزارة الدفاع، وقدموا له مذكرة ، تطلب أجازة نقابة الصحفيين رسميا ً.
وتحدث أحد أولئك الصحفيين الرواد ،وهو صالح سليمان، في وقت لاحق ، ثم كتب لي إجاباته بخط يده ، ما زلت أحتفظ بها عندي في غربتي في الولايات المتحدة. موضحاً أنه حضر مع بقية أعضاء اللجنة ذلك الاجتماع مع الزعيم قاسم في وزارة الدفاع ، وهو لقاء استمر من الساعة العاشرة مساء، حتى الساعة الخامسة فجر اليوم التالي، ولم يقتصر الحديث فيه على النقابة وشؤونها ، بل أنتقل الى احتياجات أصحاب الصحف ، ومتطلباتهم ( حيث كان الزعيم قاسم يستفسر منا واحداً بعد الآخر، عن تلك الاحتياجات، فصاحب صحيفة طلب توفير ورق الصحف، وصاحب صحيفة أخرى طلب إيقاف فتح شارع لأنه يؤدي الى هدم جزء من مبنى مطبعته، وثالث توسط للإفراج عن سجين محكوم بقضية تهريب).
ويؤكد صالح سليمان لي، بأنه عندما وصل الزعيم قاسم له ، وسأله عن طلباته( فلم أجد شيئاً أطالب به أو أطلبه، سوى أن أجد وسيلة توصلني الى بيتي في مثل هذه الساعة المبكرة من الفجر، فأمر قاسم أحد ضباطه بإيصالي بسيارة جيب عسـكرية الى بيتي في الكرادة الشرقية ) .
ووافق قاسم على تأسيس نقابة الصحفيين العراقيين، ومنحها مساعدة مالية قدرها عشرة آلاف دينار لصرفها على تهيئة مكاتبها في بغداد، وواصل رئيس اللجنة التأسيسية محمد مهدي الجواهري اتصالاته بالسلطـات الحكومية لتنفيذ مشروع تأسيس النقابـة، حتى نشرت ( الوقائع العراقية ) ، الجريدة الرسمية للحكومة العراقية يوم 23 حزيران/يونيو 1959 القانون رقم 98 الخاص بالنقابة ، ووقعه رئيس وأعضاء مجلس السيادة، ورئيس الحكومة والوزراء كافة، ومن بينهم الزعيم عبد الكريم قاسم ، والزعيم محي الدين عبد الحميد وزير المعارف ، بصفته وزيراً للإرشاد بالوكالة، ومصطفى علي وزير العدل، وهو أول قانون في تاريخ العراق لنقابة الصحفيين.
وأحتوى هذا القانون على 31 مادة ، خولت الثامنة والعشرون منها، اللجنة التأسيسية بأعمال الهيئة الإدارية لحين عقد المؤتمر العام الأول وانتخاب هيئة إدارية، وشرحت مواده الأخرى أهداف النقابة، سياسياً ومهنياً ، وعرفّت كلمة( الصحفي) بأنه ( صاحب الجريدة أو المجلة، والمحرر والمخبر والمراسل والمصحح والمبوب وملتقط الأخبار وغيرهم من العاملين في الحقل الصحفي) ، ونصت على العقوبات الانضباطية ، والقضايا المهنية الأخرى ، واشترطت المادتان الخامسة والسادسة منه ( انتساب كل من يمارس مهنة الصحافة الى النقابة) ، لكنها أخفقت في تحديد موعد انتسابه : قبل البدء بممارسة المهنة ، أم بعد ممارسته لها .
وطيلة الشهور الثلاثة المقبلة لم تتمكن اللجنة التأسيسية من عقد مؤتمرها العام الأول ، بسبب الظروف السياسية الداخلية المعقدة، حيث شهدت آخر شهور عام 1959 بداية الخلاف بين الزعيم قاسم وبين الحزب الشيوعي، الذي يهيمن أنصاره على النقابة ، ونتيجة لذلك هاجمت الصحف المناهضة لهم ،اللجنة التأسيسية وأسلوبها في قبول الأعضاء الجدد في النقابة، وازدادت الحملة حدة قبل أيام معدودة من عقد المؤتمر الأول في 6 أيلول/سبتمبر 1959.
وفي البداية أعترض ثمانية صحفيين يوم 1 أيلول بينهم قاسم حمودي صاحب ( الحرية)، وتوفيق السمعاني صاحب( الزمان )، وطه الفياض صاحب( الفجر الجديد) والصحفي سجاد الغازي، على ( وجود بعض الأسماء ممن لا علاقة لهم بالصحافة، وبعضهم مستخدم لدى الدولة) مما يخالف المادة 17 من قانون النقابة التي تمنع اشتغال موظفي الدولة في الصحافة، وطالبوا بشطب أسمائهم من سجلات النقابة .
وفي اليوم التالي 2 أيلول ، هاجمت صحيفة (الأخبار) من وصفتهم ( بالطارئين على الصحافة لأن مثل هؤلاء سيجعلون الصحافة لا تمثل مصلحة الناس) ، بينما لمحت صحيفة (الأهالي) الى حالة فساد نقابي عندما نبهت يوم 2 أيلول أيضاً الى وجوب أن لا تكون حرية الصحافة( ذريعة للاستغلال والخروج عن أهداف الصحافة وواجباتها الأساسية في المجتمع) .
ولكي تضمن الإدارة العسكرية هيمنتها على الحياة الصحفية عشية المؤتمر الأول للنقابة، أصدر الحاكم العسكري العام الزعيم أحمد صالح العبدي بياناً وجهه إلى أصحاب الصحف والمجلات، وصفه بأنه مجرد( توجيهات) منه الى الصحافة، وضمنه إتهاماً لها ( بالإخلال بالأمن) ، مع سلسلة طويلة مما هو ممنوع عليها نشره من المقالات والتقارير والأخبار ، وما يمكن لها أن تنشره .
وفي هذه الأجواء،عقدت نقابة الصحفيين العراقيين مؤتمرها العام الأول بحضور رئيس الحكومة الزعيم عبد الكريم قاسم ، الذي ألقى في إفتتاحه، خطاباً عاصفاً طلب فيه من أعضاء النقابة الالتزام بالفقرتين السابعة والثامنة من المادة الثانية لقانون النقابة ، واعتبر أن هذا الالتزام هو( الخدمة الحقيقية للمصلحة العامة).
وتنص هاتان الفقرتان على :
السابعة : حماية الصحافة من إفسادها على يد الحكومات الاستعمارية وصنائعها
ومن تأثير الشركات الاحتكارية عليها.
الثامنة : مكافحة اختلاق الأخبار وافتعال الحوادث ونشرها.

ولم يتسن لنا التعرف على سبب تشديد الزعيم قاسم على الإشارة للفقرة السابعة ،وهل كان لدى الحكومة معلومات عن فساد صحفي مصدره حكومات أجنبية؟ أما تكراره للفقرة الثامنة، فله ما يبرره لأن صحف تلك الفترة كانت مملوءة بالأخبار والحوادث المفتعلة دون دليل عليها .
وفي اليوم الثاني للمؤتمر، السابع من أيلول 1959 ، اشترك 171 صحفياً من أصل 205 عضو في النقابة في التصويت لانتخاب أول هيئة إدارية لنقابة الصحفيين ، ونشرت الصحف ، في اليوم التالي8 أيلول 1959 ، ومنها صحيفتا ( الأهالي) و(الأخبار) النتائج، وكما يلي:
محمد مهدي الجواهري، نقيباً ، وحصل على 163 صوتاً
محمد السعدون ، نائباً للنقيب ، وحصل على 106 أصوات
والأعضاء هم :
لطفي بكر صدقي ، 160 صوتاً
قاسم حمودي ، 103 صوتاً
عبد الرحيم شريف ، 154 صوتاً ، وأصبح فيما بعد سكرتيراً للنقابة .
محمود شوكت ، 96 صوتاً
جلال الطالباني ، 162 صوتاً
فاضل مهدي ، 161 صوتاً
محمود الجندي ، 132 صوتاً
والأعضاء الاحتياط هم :
خالد الدرة ، ومنير رزوق.

ومن استعراضنا لأسماء الهيئة الإدارية الأولى ، نجد أن جميع أعضائها تقريباً باستثناء محمد السعدون وقاسم حمودي وفاضل مهدي وخالد الدرة، كانوا من الموالين للحزب الشيوعي.
وبعد ثلاثة أيام من انتخابها، قابلت الهيئة الإدارية رئيس الحكومة الزعيم قاسم ، وانطلقت في ممارسة مهامها ، فكتبت إلى وزارة الإرشاد بضرورة ( استشارتها قبل منح أي امتياز جديد) لإصدار الصحف ، وعند ( اختيار الوفود الصحفية التي ترافق الوفود الرسمية في سفراتها خارج العراق) .
ولابد من أن يكون الصحفي متفائلاً ببدء العمل النقابي ، لكن تجربة الشهور اللاحقة بعد المؤتمر الأول شهدت أزمة بين الصحف، وحتى تلك التي يملكها عدد من أعضاء الهيئة الإدارية، وتبادلت الاتهامات والشتائم ، إلى أن جرى انعقاد المؤتمر الثاني في نيسان 1960.
ولم تكن النقابة بيتاً لجميع الصحفيين على اختلاف وجهات نظرهم السياسية ، بل هي نقابة للبعض فقط ، فنراها تسكت على تعطيل الحاكم العسكري العام لصحيفة ( الحرية) مع أن صاحبها قاسم حمودي كان عضواً في الهيئة الإدارية، وشاركت في استعداء الحكومة على صحيفتين مناهضتان للشيوعيين ، وطلبت من وزارة الإرشاد تعطيل(الشرق) لمحمد العاني، و(بغداد) لخضر العباسي، وفعلاً عطلتهما الحكومة، وأرسلت الوزارة مذكرة رسمية للعاني والعباسي تطلب منهما ( الكف عن إصدار الجريدتين بتوصية من نقابة الصحفيين) بذريعة أن النقابة قد رفضت قبول عضويتهما فيها، بالرغم من أن العباسي مثلاً، كان يعمل في الصحافة منذ عدة سنوات سابقة، وأصدر صحيفته ( بغداد) لأول مرة عام 1951 .
وحضر رئيس الحكومة الزعيم عبد الكريم قاسم ،المؤتمر الثاني لنقابة الصحفيين الذي عقد في 7 نيسان 1960 ، وألقى خطاباً حمل فيه على الصحافة بشدة، وأتهمها ( بشق الصف الوطني)، وأعقبه على منصة الخطابة ، نقيب الصحفيين، محمد مهدي الجواهري، الذي قال لأعضاء المؤتمر الثاني بأنه كان يتوقع ( أن يكون الزعيم قاسم غاضباً.. وللأسف فقد سفت الصحافة إسفافاً فظيعاً، وأننا كلنا نتحمل هذا التقصير).
والغريب حقاً ، أن يقف نقيب الصحفيين موقفاً موالياً للحكومة ضد الصحافة ، وبالتالي يتساءل المرء عن دوافع الجواهري في اتخاذ هذا الموقف ، وهل كان النقيب يحاول تصفية الأجواء الصحفية ؟ أم أنه قد وقع ضحية لتضليل الحكومة ؟ لكن من المؤكد أن صحيفة الجواهري آنذاك ( الرأي العام ) ساهمت مساهمة مباشرة في أزمة الصحافة ، وتبادلت مع الصحف الأخرى ، الاتهامات والشتائم والتحريض .
على أية حال ، عاد الجواهري نقيباً في المؤتمر الثاني ، مع هيئة إدارية جديدة لا تختلف كثيراً عن الهيئة السابقة، باستثناء خروج قاسم حمودي، صاحب ( الحرية) ولطفي بكر صدقي ، صاحب( صوت الأحرار)، ودخول غيرهما في الهيئة الجديدة.
ورافقت المؤتمر الثاني متاعب جديدة أدت الى مقاطعة مجموعة من الصحفيين الأعضاء لأعماله ، وروجوا اتهامات للهيئة الإدارية بأنها منحت عضوية النقابة ( لعدد كبير من الناس الذين لم يتخذوا من الصحافة مهنة رئيسية لهم خلافاً للقانون ، ويجب شطب أسمائهم من سجلات النقابة)، وشنت صحيفة( الزمان) سلسلة الاتهامات والمقاطعة،وبررت حملتها يومي 8 و10 نيسان/ أبريل 1960 (لأن انتخابات المؤتمر الثاني لا تمثل مصالح العاملين بأجور، وأنها لم تمثل سوى أصحاب الصحف والمجلات ، وهم قلة في الوسط الصحفي ، وأن 62 عضواً عارضوا طريقة الانتخابات ، دون أن يعرف أحد كيف تم الاتفاق عليها).
وفعلاً ، فمن استعراضنا لأسماء أعضاء الهيئة الإدارية التسعة، نجد أن سبعة منهم، هم من أصحاب الصحف ، وأثنين فقط من المحررين . لكن الهيئة الإدارية لم تسكت على هجوم صحيفة ( الزمان) ، فردت ببيان نشرته بعض الصحف فقط، وبالأخص الصحف الموالية للشيوعيين ،( اتحاد الشعب) و(الرأي العام ) و( صوت الأحرار) يوم 11 نيسان 1960 اتهمت فيه صحيفة ( الزمان) بنشر ( مطالب تخريبية).
وعادت ( الزمان) في اليوم التالي 12 نيسان إلى القول أن جماعة من الصحفيين طالبوا المؤتمر الثاني للنقابة بما يلي :
1 -
وجوب جرد أسماء المنتمين للنقابة خلافاً للقانون.
2 –
تقرير مفصل من الهيئة الإدارية عن الشؤون الإدارية والحسابية للنقابة.
3 /
تأجيل المؤتمر حتى يتسنى تسوية الأمور أعلاه.
ولم تتفاعل هذه الأزمة كثيراً في حينه ، لكنها أثيرت مرة أخرى في صيف 1960، كانت النقابة قد أصيبت بالشلل واقتصرت نشاطاتها على كتابة المذكرات الى الحكومة لتشتكي فيها من المضايقات ، لكن تلك المذكرات كانت تقتصر على الحالات التي تتعرض فيها الصحف الشيوعية للمضايقات الحكومية، وتسكت عن مثل هذه المضايقات التي تتعرض لها الصحف الأخرى.
فلم تدافع النقابة مثلاُ عن حرية الصحافة عندما تعرضت صحيفة( الحرية ) لتعطيل الحاكم العسكري العام ، وشاركت في تعطيل ( الشرق ) و (بغداد)، لكنها احتجت على قرار سيد حميد سيد حسين ، قائد الفرقة الأولى بمنع توزيع (اتحاد الشعب) ،وصحف شيوعية أخرى في مدينة الديوانية،ومدن الجنوب الأخرى،واشتكت لرئيس الحكومة الزعيم قاسم من إحالة ( صوت الأحرار) للمحاكمة أمام المجلس العرفي الأول. حتى أن المؤتمر الثاني تبنى قراراً تعسفياً غطاه بغطاء سياسي واهٍ، وهو ( حرمان أعداء الجمهورية من الحصول على امتياز صحفي) ، ولم يكن يحمل أي معنى سوى حرمان مناهضي الشيوعية من إصدار الصحف ، ولم يشهد العراق عام 1960 وما قبله أية صحيفة ( معادية للجمهورية) ، بل صحفاً تختلف في نهجها السياسي فقط ، وكلها كانت تدافع عن النظام الجمهوري حسب قناعاتها الوطنية.
ولم يستجب الزعيم قاسم ولا سلطاته العسكرية لمثل هذه الطلبات ، لأنه شخصياً يقود المؤسسة العسكرية التي تفرض هيمنتها على الحياة الصحفية ، وكانت إجازات إصدار الصحف، وتعطيلها وعقوباتها، تصدر من مكتب مساعده، الحاكم العسكري العام ، وقد فرغ قاسم من حاجته لتعاون الشيوعيين ، وبدأ في التخلص منهم .
وبدأت المؤسسة العسكرية التدخل المباشر في شؤون نقابة الصحفيين، واستقبل رئيس الحكومة ، شخصياً في مكتبه بوزارة الدفاع أربعة من أصحاب الصحف ، هم زكي أحمد صاحب ( العهد الجديد)، وتوفيق السمعاني صاحب( الزمان) ورسمي العامل صاحب( المستقبل)، وطه الفياض صاحب ( الفجر الجديد)، جاءوا لطلب مساعدته على ( تطهير النقابة من العناصر الدخيلة، وأبعادها عن الحزبية الضيقة). وألحقوا مقابلتهم لقاسم بمذكرة قدموها الى الحاكم العسكري العام الزعيم العبدي يطلبون مساعدته ( تنظيم شؤون النقابة) وأرفقوا مذكرتهم بقائمة قالوا أنها تضم 154 أسماً (من أعضاء النقابة لا تتوفر فيهم الشروط القانونية لمهنة الصحافة) وطلبوا شطبهم من سجلات النقابة. ولم يضع الزعيم العبدي وقته ، فقرر تشكيـل لجنة خاصة ( لتدقيق سجلات النقابة) برئاسة الزعيم عبد المجيد شريف ، وعضوية أثنين من مديرية الاستخبارات العسكرية، وثالث من المحاكم المدنية. ولم يضم إليها ممثلاً لأية جهة ذات اختصاص ، من الصحافة أو من وزارة الإرشاد.
ومع اعتراضنا على ركون أصحاب الصحف للإدارة العسكرية واستعدائها على نقابة الصحفيين، ولم يحترموا في سلوكهم آداب المهنة، فأننا نقول أن تلك الصحف كانت صحف وزارة الدفاع ، وأن أصحابها من الموالين للزعيم قاسم ، وأن وزارة الدفاع كانت تشجع مثل هذا النفاق لها ، وهو نفاق مارسته الهيئة الادارية ، ومعارضوها على حد سواء.
ومن الضروري أن نشير هنا الى أن معضلة وجود اعضاء في النقابة لا يمتون للصحافة بصلة ، هي معضلة بدأت منذ أول مؤتمر للنقابة عام 1959، وما زالت تشكل مشكلة كبيرة لنقابة الصحفيين العراقيين، وكان أحدى القضايا التي أثيرت في المؤتمر الاخير، وفي محاولة الانشقاق عنه أيضاً ، وعانت منها جميع الهيئات الادارية التي تولت أمور النقابة .
وبدأت لجنة التحقيق العسكرية الخاصة عملها فوراً ، وحجزت في الثامن من آذار/مارس سجلات النقابة في غرفة واحدة، واستجوبت نائب النقيب، حسن الأزدي، وأرسلت مذكرات رسمية لجميع دوائر الحكومة تستقصي فيها عن الموظفين لديها من أعضاء نقابة الصحفيين، وشكل الصحفيون المعارضون لهيئة النقابة( لجنة ارتباط) لمساعدة لجنة التحقيق العسكرية ضد زملائهم ،وضمت خمسة أعضاء هم شاكر الجاكري، وزكي السعدون، وسعيد الربيعي، وعلي الخياط، وقاسم محمد فخري.
وفي هذا الوقت ، بدأ التوتر يظهر ما بين النقيب الجواهري والحكومة، وتدهورت في 28 آذار/مارس 1961 عندما أمر الحاكم العسكري العام باعتقال الجواهري ، واقتيد مخفوراً إلى وزارة الدفاع بتهمة( التحريض على المظاهرات والإخلال بالأمن) ، ثم أطلق سراحه بكفالة مالية تافهة قدرها خمسون فلساً، غادر بعدها العراق لحضور مهرجان شعري في لبنان، ولم يعد الى العراق إلا عام 1969 ، وأقام له وزير الاعلام حينها صلاح عمر العلي، حفل تكريم مهيب في بغداد.
وأسفرت الخلافات النقابية عن تأجيل عقد المؤتمر الثالث عدة مرات، في الأولى قرر الحاكم العسكري العام تأجيلها حتى 28 نيسان/أبريل بذريعة أن لجنة التحقيق العسكرية لم تنجز أعمالها بعد، والثانية الى 5 حزيران / يونيو عندما فرغت اللجنة من تحقيقها ، وأصبح الباب مفتوحاً على مصراعيه لوصول هيئة إدارية جديدة تناسب رغبة السلطات العسكرية.
وقررت لجنة التحقيق العسكرية فصل 72 عضواً من النقابة ، ونشرت أسمائهم في الصحف ، وبينهم رجال دين، وموظفو حكومة في دوائر السكك الحديدية والإصلاح الزراعي والمعلمين والبنوك ، ومن المسافرين إلى خارج العراق منذ وقت سابق ، وحتى من المحكومين بالسجن .
وتغيب عبد الكريم قاسم عن افتتاح المؤتمر الثالث الذي بدأ أعماله يوم 5 حزيران /يونيو 1961 ، لكنه أوفد بدلاً عنه، الزعيم إسماعيل العارف وزير التربية ، بصفته وزيراً لإرشاد بالوكالة ، والذي لم يجد ما يقوله للصحفيين سوى تكرار ما سبق للزعيم قاسم أن قاله لهم بضرورة الالتزام بالفقرتين السابعة والثامنة من المادة الثانية لقانون النقابة اللتين شرحناهما في سطور سابقة .
ولأن الظروف كانت مهيأة جيداً ، فقد انبثقت عن المؤتمر الثالث ،هيئة إدارية جديدة لنقابة الصحفيين ، ضمت الأربعة أصحاب الصحف الذي اشتكوا لرئيس الحكومة وللحاكم العسكري العام :
-
طه الفياض، صاحب صحيفة( الفجر الجديد) ، نقيباً
-
توفيق السمعاني، صاحب صحيفة( الزمان) ، نائباً للنقيب
والأعضاء:
-
زكي أحمد ، صاحب صحيفة ( العهد الجديد)
-
رسمي العامل، صاحب صحيفة ( المستقبل)
-
والصحفيين: إبراهيم علي، وفريد أوفي ، وسجاد الغازي، وصالح سليمان، وعبد الله جابر العاني .

ولم يكن بين أعضاء الهيئة الجديدة، أي عضو من الهيئة الإدارية السابقة ، ولا من الصحفيين الموالين للشيوعيين ، وبالتالي أصبحت هيئة مماثلة لسابقاتها من حيث تمثيل بعض الصحفيين والصحف دون الآخرين.
وقابلت هذه الهيئة بعد بضعة أيام من انتخابها، رئيس الحكومة عبد الكريم قاسم، لتشكره على مساندته لأعضائها ، وحصلت منه على دعم مالي بمبلغ خمسة آلاف دينار، مع قطعة أرض لبناء مقر وناد للصحفيين ،وتمكنت من إثارة مصير بعض الصحفيين المعتقلين، لكن قاسم رد بقوله أنهم ( قد احتجزوا عن أعمال غير قانونية، وليس لكونهم صحفيين).
ومن الواضح أن الانسجام كان مفقوداً بين أعضاء الهيئة الثالثة لنقابة الصحفيين، ففيهم من دخل مؤخراً إلى الحياة الصحفية ، وفيهم من لا يفهم معنى العمل النقابي ولم يجربه طيلة حياته ، ولذلك نجد أن النقيب طه الفياض يقدم استقالته في كانون الأول/ديسمبر 1961 وأشتكى من أن الهيئة الإدارية ( لا تعمل شيئاً سوى تبادل المشاحنات والمشادات الكلامية) ، لكنه تراجع عن استقالته ليصبح نقيباً مرة أخرى في المؤتمر الرابع في نيسان/ أبريل 1962 ، وبقي توفيق السمعاني نائباً له.
ولم تعمر الهيئة الإدارية الرابعة لنقابة الصحفيين كثيراً ، حيث تم حلها في الثامن من شباط/فبراير 1963 عندما أطاح حزب البعث العربي الاشتراكي بنظام عبد الكريم قاسم.

اللجان التحضيرية الحكومية
ووضعت حكومة البعث بعد توليها السلطة يدها على نقابة الصحفيين ، وحلت هيئتها الإدارية ، لكن النقيب طه الفياض نجا هو ونائبه السمعاني من الاعتقال، الذي شمل رسمي العامل وزكي أحمد وغيرهم من أعضاء تلك الهيئة، وصحفيين آخرين .
ودخلت نقابة الصحفيين العراقيين بهذا القرار في مأزق وأصابها الإهمال لأنها افتقدت ولبعض الوقت لهيئة إدارية توجه نشاطاتها. فبعد شهرين من حلها، شكلت وزارة الإرشاد في حكومة البعث ( لجنة تحضيرية) من خمسة أعضاء ،مهمتها إدارة شؤون النقابة ، ومنحتها صلاحيات الهيئتين الإدارية والعامة ، وهم :
-
قاسم حمودي ، صاحب صحيفة ( الحرية )
-
طارق عزيز، مدير تحرير صحيفة ( الجماهير)
-
حامد الجبوري ، صاحب صحيفة ( العروة الوثقى)
-
جليل العطية، ممثلاُ لوكالة الأنباء العراقية
-
طه القيسي ، ممثلاُ لوزارة الإرشاد

فأصبح حمودي رئيساً ، والعطية سكرتيراً لهذه اللجنة التحضيرية. ومن الواضح أن جميع أعضاء هذه اللجنة كان من الصحفيين العاملين فعلاً في صحافة فترة حكم البعث ، ولكنهم لم يكونوا سابقاً من أعضاء النقابة بإستثناء قاسم حمودي وجليل العطية، ولم يكن جميعهم، بعثيون سوى طارق عزيز وجليل العطية ، وبينهم مستقلون مثل قاسم حمودي ، وناصريون مثل حامد الجبوري آنذاك .
وأعاقت تطورات الظروف السياسية داخل قيادة البعث والحكومة والمجتمع ،عمل هذه اللجنة فنجدها قد أخفقت في إحياء نقابة الصحفيين وعقد مؤتمر عام لانتخاب هيئة إدارية شرعية ، ولذلك لم تأت بأية نتائج حتى أطاح الرئيس عبد السلام عارف وأنصاره الضباط بحكم البعث في 18 تشرين الثاني /نوفمبر 1963، فتعرضت للحل ،لصالح لجنة تحضيرية جديدة من ستة أعضاء هم :

-
الدكتور يوسف عز الدين ، الأستاذ في كلية الآداب بجامعة بغداد
-
طه الفياض ، صاحب صحيفة (الفجر الجديد)
-
الدكتور عبد الجبار المطلبي ، الأستاذ في جامعة بغداد أيضاً
-
عبد القادر البراك ، صاحب صحيفة ( البلد)
-
صادق الأزدي، سكرتير تحرير صحيفة ( الجمهورية)
-
صبيح الغافقي ، من صحيفة ( الجمهورية) أيضاً

ومن الغريب أن تسند وزارة الإرشاد بعد 18 تشرين الثاني / نوفمبر 1963 ،مهمة أحياء نقابة الصحفيين للجنة تضم في عضويتها من لا علاقة له بالصحافة إطلاقاً استقدمتهم من جامعة بغداد،وقد أستعارت الحكومة، أساتذة الجامعة وضباط الجيش لملأ الفراغ الذي أحدثته بإبعاد كبار الموظفين البعثيين من أجهزة الإعلام .
ولم تفلح هذه اللجنة التحضيرية أيضاً في تهيئة الظروف لعقد مؤتمر عام للنقابة طيلة الشهور الأربعة التي عملت فيها ، سوى أنها ألغت عضوية جميع أعضاء النقابة ، ووضعت الشروط الجديدة لقبول الأعضاء ، ومنها شرط يدخل عالم النقابة والصحافة لأول مرة ، وهو شرط حصول الصحفي على ( شهادة عدم المحكومية) ، علماً بأن مثل هذه الشهادة كانت مطلوبة فقط من طالبي الوظيفة الحكومية ، وتصدرها دوائر الشرطة بعد أخذ بصمات أصابع طالبها ليثبت أنه لم يتعرض لحكم قضائي سابق.
وفي أيار/ مايو 1964 حلت وزارة الإرشاد هذه اللجنة لتشكل بدلاً عنها لجنة تحضيرية أخرى من ستة أعضاء ، ثلاثة من أعضاء اللجنة السابقة ، هم الصحفيون طه الفياض وصادق الأزدي وصبيح الغافقي، وثلاثة جدد هم اثنان من الجامعة، الدكتور أحمد مطلوب، والدكتور متعب السامرائي، والصحفي إبراهيم أحمد.
ونجحت هذه اللجنة في توفير الظروف المناسبة لعقد المؤتمر الرابع لنقابة الصحفيين، بعد شهرين من عملها ، الذي عقد في تموز/يوليو 1964 ، لتسلم مهام النقابة إلى هيئة إدارية جديدة اختارها المؤتمر ، وضمت :
-
فيصل حسون ، رئيس تحرير صحيفة ( الجمهورية) ، نقيباً
-
عبد العزيز بركات ، صاحب صحيفة ( المنار) ، نائباً للنقيب
والأعضاء السبعة هم:
-
عبد القادر البراك، صاحب صحيفة ( البلد)
-
والصحفيون ، أمين أحمد ، وسجاد الغازي، وصادق الأزدي، وإبراهيم أحمد، ومحمد حامد، وهادي الأنصاري.
ووقعت هذه الهيئة الإدارية في متاهة عندما أشترط قانون المطبوعات رقم 53 لسنة 1964 منح امتياز أية صحيفة لهيئة من خمسة أعضاء( قانون الخمسات)، واستثنى ثلاثة منهم من ( شهادة الجدارة الصحفية) التي تصدرها النقابة ، ولم يكن للنقابة حول ولا قوة ، بل ربما لم يستشرها أحد، فأنتهك أصحاب الصحف القانون صراحة ، فدخل عالم الصحافة الغرباء من التجار والضباط المتقاعدين والمحامين ، وأصبحوا أعضاءً في النقابة بعد اشتغالهم أعضاءً في هيئات تحرير الصحف وليس قبل ذلك، وأغلبهم كانوا أشقاء أو أبناء، أو من أقارب صاحب الصحيفة الأصلي.
وأحتفظ فيصل حسون بمنصبه نقيباً للصحفيين في المؤتمرين التاليين ، تموز/يوليو 1965 وأيلول/سبنمبر 1966، كما بقي عبد العزيز بركات نائباً للنقيب في مؤتمر 1965 واستبدل في مؤتمر 1966 بنعمان العاني، صاحب صحيفة( العرب) ، ولكن بركات أصبح نقيباً للصحفيين في مؤتمر تموز/يوليو 1967، ونائبه سجاد الغازي، وكذلك مؤتمر نيسان/أبريل 1968 الذي كان آخر مؤتمر لنقابة الصحفيين ، قبل أن تؤمم الدولة في كانون الأول/ ديسمبر 1967 الصحافة، وأنشأت لذلك، المؤسسة العامة للصحافة والطباعة.
ووقعت الهيئة الإدارية لنقابة الصحفيين عند تأميم الصحافة، في مأزق عندما أصبح النقيب عبد العزيز بركات عاطلاً عن العمل الصحفي لأن قانون التأميم لم يسمح بصدور الصحف الخاصة ، ومنها صحيفته( المنار) ، إضافة الى مشكلة البطالة التي وجد الصحفيون أنفسهم ضحايا لها بسبب تأميم الصحافة ، فاضطرت النقابة إلى إصدار صحيفة خاصة بها لتشغيلهم.
فقد إحتكرت الدولة في 3 كانون الأول/ديسمبر1967 ، إصدار الصحف ونشرها وتوزيعها، بالقانون الذي أصدرته حكومة طاهر يحيى، في عهد الرئيس عبد الرحمن محمد عارف ، وكان فيها مالك دوهان الحسن وزيراً للإرشاد ، وهو نفسه الذي أصبح وزيراً (للعدل) في حكومة الاحتلال المؤقتة ، التي شكلها الاحتلال الأمريكي للعراق .

malihss@yahoo.com



باحث عراقي/ نيويورك

  عن موقع كتابات الالكتروني



© 2011 All rights reserved.
Powered by: PHPCow.com