قراءة في سيرة السيّد
طالب باشا النقيب
إحسان وفيق السامرائي
دائماً ما يتمثّل التاريخ لنا كغابة لم تستكشف مجاهلها بعد ، و كلما أوغلنا في مسالكها توضحت بعض معالمها و أدركنا معاناة الرجال الذين بدأوا رحلة الاستكشاف !
و عندما نحاول اليوم إعادة ذلك التاريخ إلى الحياة مرة ثانية ، لابدّ لنا من إرادة حقيقية و سموّ فوق الأحداث و المواقف و عودة إلى العصر الذي عاش فيه أولئك الرجال كمحاولة منا للتعايش معه ، لأن محاكمة التاريخ بلغة عصرية هي من أولى الأخطاء التي يتعرّض اليها المؤرخون !
فالقياسات الاجتماعية و السياسية ليست وسائل للحكم ، إذْ يتوجّب دائماً الرجوع إلى القياسات التاريخية و الفكرية و قبل ذلك توخّي الموضوعية و العلمية في التحليل و التقويم !
إنّ كتّاب التاريخ العرب لم يحاولوا تطبيق ذلك المبدأ الاستدلالي في معالجة سيرة السيد طالب النقيب إنما اتخذوا سياقاً بعيداً عن المرونة و مشبّعاً بالتحامل و بذلك فرضوا آراء و معتقدات لم تخل من التحريف و الإسقاطات القسرية مؤكدين فيها على جوانب شخصية و مذهبية بحكم انحداراتهم الطبقية و انتماءاتهم الفكرية ، و قد عزّز تلك الاجتهادات الأحادية البعد غياب المذكرات الشخصية للسيد طالب النقيب التي تعرّضت للإتلاف المتعمّد . (1)
عاش السيد طالب النقيب بين مرحلتين مهمّتين في تاريخ العراق السياسي ( الحقبة العثمانية و حقبة الاحتلال البريطاني ) و برغم التفاوت الظاهر في خواص تلك المرحلتين إلا أن الحقبة العثمانية تميّزت بظاهرة خاصة ، فالموروثات و الإيمان بالقدرية ظلت أكثر ثباتاً عند الشعب العراقي كما أن هيمنة الخلافة الإسلامية العثمانية و سطوتها قد ساعدت على فرش مساحة واسعة في الفكر العربي بحكم خلّوها من الصراع العرقي و دعواها لحماية العقيدة الإسلامية التي جعلت الجماهير مؤمنة بتلك السيادة الروحية و محصّنة ضد الثورة و التمرّد و لا تطمح بغير بعض الإصلاحات الطفيفة . إلا أنّ تلك المشاعر سرعان ما دبّ فيها التحوّل إثر الانقلاب العثماني عام ( 1908 م) و قيام زعماء جمعية الاتحاد و الترقّي بفرض حملتهم الطورانية و دعواهم للتتريك بتأثير من الشعارات الماسونية تمهيداً لاحتواء الشعب العربي و ضمّه إلى الجامعة العثمانية .
وقد دفعت المحاولات الجديدة الكثير من السياسيين العرب إلى تبنّي الدعوة القومية و كشف أبعاد المخاطر التي كان يخطّط لها رجال جمعية الاتحاد و الترقّي و كان من الطبيعي أن يحدث التصادم بين العقائد الثورية الجديدة و المحُافِظَة التي رأت في الحركات القومية خطراً على الإسلام عندما قاد الشيخ محمد رشيد رضا و مصطفى كامل و أحمد عرابي هذه الاتجاهات مما خلق تبايناً ظاهراً و عدم توازن بين الدين و القومية .
كان السيد طالب النقيب ( مبعوث البصرة ) مؤمناً في بدء حياته السياسية بقبول السيادة العثمانية و الخلافة الإسلامية لاعتقاده بأن السلطان عبدالحميد كان أميل لمنح الولايات العربية : اللامركزية الإدارية و الحرية و بعض الإصلاحات في عصر كان التطلع الاستعماري ( الكولونيالي ) الذي تزعمته بريطانيا يرى في الإمبراطورية العثمانية مصدر رعب لأوربا ( المسيحية ) ..!
إنّ هذا التفاوت قد جعل السيد طالب النقيب يحسّ بالخطر القريب خلال وجوده في مجلس ( المبعوثان ) العثماني فتزعم عدد من النواب العرب الجانب المعارض لكشف ما كان يخطّط له رجال جمعية الاتحاد و الترقّي فدعا الشريف حسين عام 1911 (2) لقيادة الثورة العربية ضدّهم ، ثمّ جاء تأييده للمؤتمر العربي المنعقد في باريس عام 1913 مفاجأة قاسية للانقلابيين و المحافظين ثم تبعها بدعوة جريئة لقيام اتحاد ( كونفدرالي ) بين ولاية البصرة التي كانت تضمّ الجانب الجنوبي من العراق و شرق الجزيرة العربية و الإمارات الجنوبية في الخليج و بين إمارتي الكويت و عربستان و التي كان يمكن أن تؤسس أكبر قوة اقتصادية و بشرية لو قيّض لها أن تقوم لغيّرت وجه التاريخ العربي (3) .
لقد خلقت تحرّكات السيد طالب النقيب وثقله في ولاية البصرة ردود فعل معاكسة بين القوتين المتصارعتين على المنطقة ( تركيا و بريطانيا ) لأنّ كليهما كانا يخافان التوجّه القومي والوحدة العربية فخطّطت القوى الانقلابية العثمانية لاغتياله و مجموعة من الرجال العرب ، كما عملت بريطانيا من خلال استنفارها لقواها في المنطقة على احتوائه لإجهاض أية خطوة وحدوية ..لكن السيد طالب النقيب أحبط المحاولتين عندما أقدم على اغتيال - فريد بك - الشوفيني المتطرف مطبّقاً أسلوب العنف الثوري و الانتقال من النظرية إلى التطبيق ، وقد أدّت تلك العملية إلى ردود فعل عكسية في الوسط السياسي العراقي حيث انقسمت القوى السياسية بين مؤيد و معارض ! .
و فات على السيد طالب النقيب أن يستقرئ أبعاد تلك العملية الثورية لانشغاله بالجانب الدعائي الذي تبنّته القوى الفوقية المؤيدة له بينما استغلّ ( المعارضون ) أصداء تلك العملية باتهامه بالعمل الجنائي من أجل رغبته في الزعامة السياسية و مطامحه الشخصية و إبعاد كل معنى ثوري لها وقد ظهر ذلك واضحاً حتى في كتابات بعض الساسة الذين ربطتهم به علاقات شخصية مثل السيد سليمان فيضي الذي ساغ له أن يروي عملية الاغتيال و يفرغها من بُعدها السياسي بصورة مسرحية وأن يجعل من نفسه شاهداً على التاريخ بحكم أفكاره الماسونية و اعتبارها دفاعاً عن النفس .(4)
إنّ فشل السيد طالب النقيب في استثمار ذلك العمل الثوري و تبنيّه كخطوة للتأثير على البنية العربية جاء بسبب ضعف القدرة الثورية في تنظيماته السياسية و عدم استشرافها للمستقبل و هو ما هيّأ للقوى المضادة بعد دخول الإنكليز واحتلال العراق أن تجعل منه وسيلة اتهام أضيفت إلى وسائلها المضادة لاتهامه بالعنف .
أما بريطانيا التي كانت ترقب الفرصة الذهبية للانقضاض على مخلّفات الإمبراطورية العثمانية فقد وجدت في شخصية السيد طالب النقيب ما يحقّق لها طموحاتها من قوّة و مكانة اجتماعية و سياسية ، فعهدت إلى الشيخ خزعل أمير المحمرة و رجل الماسونية في المنطقة مهمة الاتصال به للقيام بثورة مسلحة في البصرة ضد الإمبراطورية العثمانية ، و تعهدها له بالمال و السلاح و الامتيازات الشخصية و لكن السيد طالب النقيب أدرك أبعاد ذلك المخطط فرفض التدخل العسكري و طالب بالمال و السلاح كقروض تسدّد بعد نجاح الثورة ، مؤكداً بأنّ الثورة المسلحة لا يمكن تحقيقها إلا بالاعتماد على الأصالة العربية ..
وقد أدركت بريطانيا حيال ذلك بأن السيد طالب النقيب ليس رجلها الموعود ( انه رجل قوي الشخصية و لكنه لا يستحق الثقة . (5) لكنها لم تفقد الأمل في تحجيم دوره السياسي بعد عودته من الهند و قبوله منصب وزير الداخلية في الحكومة المؤقتة وبذلك لمست فيه ضعفاً أمام الطموح السياسي و بعد أن تأججت حركة 20 من حزيران 1920 ! كانت بريطانيا تدرك أنها و بمحاولاتها هذه يمكنها أن تدفع بالنقيب قرباناً لتنفيذ مخططاتها في المنطقة من خلال دفعه للمشاركة في انتخابات المجلس التأسيسي العراقي برغم الهياج الذي بدأ يعمّ الوسط الجماهيري و بتأثير المحاولات الكثيرة التي بدأت قوات الاحتلال في ممارستها لخلق الصراع الطائفي و العشائري بالدعوة إلى القطرية التي تمثّلت في مجموعة من التنظيمات الشكلية مثل حرس الاستقلال و التجمعات ذات المواقف المذهبية التي راحت تدعو علناً تحت السطوة البريطانية في جريدة عبدالغفور البدري ( الاستقلال ) إلى ترشيح الأمير فيصل بن الحسين ملكاً على العراق … (6)
لقد أثبت السيد طالب النقيب فشلاً حيال المتغيرات الجوهرية التي ظهرت بعد عودته من المنفى ، و عدم درايته بالمخطط البريطاني و بدور القوى الاحتياطية من العناصر الطائفية و العشائرية التي هيّأتها القوى الاستعمارية للثورة و التمرد لا من أجل مستقبل البلاد القومي إنما لتنفيذ المخططات التي دعا إليها مؤتمر القاهرة . (7) كما لم يُدرك أبعاد المؤامرة التي كانت تهيّأها حكومة السيد عبدالرحمن النقيب لتحميله تبعة الإجراءات القمعية التي قامت بها قوات الاحتلال من نفي و اعتقال ضد رجال الحركة المسلحة بحكم مركزه كوزير للداخلية في حين أن صلاحيات مجلس الوزراء كانت قد تحددت وفق لائحة التعليمات التي أصدرها الحاكم السياسي للعراق و أشرف فيلبي على وضعها . (8)
إنّ مجمل تلك الإجراءات قد أثبتت أن السيد طالب النقيب لم يكن دبلوماسياً مرناً و لا يمتلك قدرة فعالة على تحليل البعد السياسي للبلاد ، أو معرفة جوهر الحركات السياسية أو فهم تشكيلاتها الفكرية و الاجتماعية و لذلك أخطأ في حساباته السياسية و فشل في دراسة خلفيات الأحداث و تطوّراتها نتيجة لاعتماده على ظواهر الأحداث و تلك من أبرز الفواصل التي ساعدت على إسقاطه و دفعه إلى نوع من العزلة السياسية بعد ذلك .
وبرغم أن السيد طالب النقيب ظلّ يمثل النواة الصادقة للفكر القومي إلا أن ذلك لم يعينه على تشخيص الواقع لعدم وجود فلسفة سياسية يمكن الاعتماد عليها ، فحين رفض هيكلية ثلاث ثورات أرادت بريطانيا إبقاءها ضمن مرجعياتها التاريخية كمناطق النفوذ و الصراع شدّد على أن الثورات المسلحة لا يمكن تحقيقها إلا بالرجوع إلى الروح العربية بعد تجريدها من توابعها القاتلة ( الطائفية و العشائرية ) .
فجاء رفضه للثورة المسلحة في البصرة تأكيداً لهذا الاتجاه ثم عاد و رفض فكرة ثورة الشريف حسين 1916م أو تأييدها لأنّ هذه الثورة التي خططها ( لورنس و كليتون ) إنما تمثّل تراجعاً عقائدياً عن الفهم الإنساني للوحدة. فالشريف حسين كان يمضي بشكل تجزيئي غايته تأمين العروش لأبنائه و تنفيذ ما جاءت به قرارات ( سايكس بيكو ) من تفتيت للوطن العربي و تجزئة لولاية البصرة و تحقيق حلم الحركة الصهيونية لتأسيس وطن لليهود في فلسطين .
و لم يكن في موقف السيد طالب النقيب ما يشير إلى سلوك انتهازي أو مصلحي لأنه استمر في معارضته لتلك الثورة بحكم معرفته لعقلية الشريف حسين ( الثيوقراطية ) و فرديته المطلقة .
أما موقفه من حركة 20 من حزيران 1920 المسلحة فانه لم يجد فيها إلا طفحاً ثورياً غايته امتصاص النقمة الثورية عند الجماهير في العراق و تحقيق ما لم تحققه ثورة الشريف حسين بإيجاد بناء هرمي للسلطة يلبي حاجيات الحركة الإقطاعية المتنفذة إلتي هيأت الفلاحين لأجراء التمرد على القانون لصالحها دون مساس بأي إجراء ثوري لتحريرهم من العبودية ، و استغلال الهوس الديني و الطائفي لإحباط ما كان يفكر فيه القوميون من حكم دستوري .
لقد دلّلت الأحداث و الصراعات التي جاءت في أعقاب حركة 1920 بأن الغاية التي استهدفتها القوى الموجهة للصراع هي إبعاد الصراع القومي و التشديد على عزلة السيد طالب النقيب ، برغم أنه كان داعياً للحوار السياسي و الانتخاب الدستوري لغرض تمثيل جماهير الشعب .
إنّ التشابك و الانحراف الذي ساد الأطراف العشائرية المزدوجة الانتماء و الماسونية الحركة في الصراع قد أثبت مع الأيام أن كتّاب التاريخ العراقي الذين أوحت لهم الحركة بمناشئ جديدة لترويج مفاهيمها القطرية قد أثبتوا مجدداً بأنهم لم يتحرروا من التبعات المذهبية برغم أن الوثائق البريطانية قد كشفت دون تحفظ عن العلاقات السرية بين شيوخ الحركة (9) و قوات الاحتلال البريطاني ، كما كشفت حركة 20 من حزيران 1920 م عن وجهها الحقيقي من أن الثوار الذين كانوا يحاربون الإنكليز إنما كانوا يدعون إلى ملك متحالف مع الإنكليز (10) .
فالقوى التي قادت الحركة و رفدت الطائفية و العشائرية إنما كانت تمضي في تحقيق الهدف الذي جاء به مؤتمر القاهرة لإبعاد كل توجه قومي من شأنه أن يحقق حكومة وحدوية عربية يمكن أن يتولاها السيد طالب النقيب التي قالت عنه مس بيل ( نجاحه سيكون شيئاً قاتلاً بالنسبة لنا ) .
إنّ السيد طالب النقيب كان عربيا آمن بالقومية العربية فكرة و محتوى و عمل من أجل الوحدة فلم يكن إقليميا أو داعياً محلياً ، كما لم يكن طالب النقيب رجلاً انفعالياً (11) مثلما توهّم بعض المؤرخين لأن دعوته إلى الاتحاد كانت خطوة وحدوية ، إذْ لم يكن العراق يومها كياناً مستقلاً إنما مجموعة ولايات مستقلة ..
أما عن معارضته للثورة و أساليبها كما حدث لحركة 20 حزيران 1920 فقد دلّلت نتائج الحركة على وجود عدد كبير من المعارضين الذين اتخذوا ذات الخطوات (12) إلا أنّ التاريخ أهمل تلك المواقف .
إننا و بعد مائة سنة من تاريخ الصراعات السياسية ما نزال نصارع بكتاباتنا آراءً مختلفة حول موقع السيد طالب النقيب من دون أن نجرأ على تحديد مكانته في التاريخ ؟
هل كان السيد طالب النقيب وطنياً أو كان خائناً ؟ .
و سنظل نتأرجح في آرائنا من دون استقرار لعدم وجود الموقف العقائدي المتجرد من الخلفيات المذهبية ، و حتى نفهم عقلية السيد طالب النقيب لابد لنا من معرفة أيّ نوع من الرجال هو ؟ لأن في التأريخ نوعين من الرجال ، رجل يركض وراء التاريخ و رجل يركض التاريخ وراءه .
و السيد طالب النقيب رجل من نمط الرجال الذين ما زال التاريخ يركض وراءهم .
إحسان وفيق السامرائي
ص.ب ( 1095 )
البصرة
هوامش البحث :
1. بعد وفاة السيد طالب النقيب 1929 أرسل البلاط الملكي طلباً إلى أسرة النقيب في البصرة يدعوها إلى إرسال مذكرات و أوراق السيد طالب النقيب لغرض توثيقها ونشرها فأرسلت الأوراق ضمن ( سبع حقائب جلدية كبيرة) إلى البلاط الملكي في ( قصر شعشوع ) بمعيّة السيد حامد النقيب ( المحامي ) ، و حين علم جلالة الملك فيصل الأول بوصول الأوراق أوعز فوراً بإتلافها حيث أحرقت على سداد دجلة القريب من البلاط .
( رويت القصة عام 1970 في غرفة المحامين بدار العدالة في البصرة من قبل المحامي محمود النقيب أمام المحامي رجب بركات و جاسم الريحاني و بعض الحضور ) .
2. رفع السيد طالب النقيب ( مبعوث البصرة ) في عام 1911 رسالة إلى الشريف حسين يدعوه إلى الثورة ( تطور العراق تحت حكم الاتحاديين – السيد فيصل محمد الارحيم ) .
3. تاريخ العرب المعاصر 1 –2 الدكتور عبدالعزيز نوار .
4. مذكرات سليمان فيضي – دار الساقي – 1998 .
5. الوثائق البريطانية .
6. مذكرات طالب مشتاق 1 – 2 .
7. مؤتمر القاهرة الذي عقد برئاسة تشرشل و بعض الممثلين البريطانيين و العراقيين لأقرار ترشيح الأمير فيصل ملكاً على العراق .
8. حكايات سياسية / خيري العمري .
9. مذكرات مس بيل / ترجمة جعفر خياط .
10. ثورة العشرين / د . وميض عمر نظمي .
11. المصدر السابق .
12. د. مظفر الأدهمي / هل يتحمل النقيب مسؤولية إعدام عبدالمجيد كنّه – مجلة آفاق عربية .