قناة     
الديار    
الفضائية
الصفحة الرئيسية


 الدورة البرامجية

 السبت  الاحد  الاثنين  الثلاثاء
الاربعاء  الخميس  الجمعة

 

خريطة العراق


الطقس





الكتابة بالحذف



 

                                                                جبار النجدي

 

تنطوي عملية الحذف على اشكاليات متداخلة تدعونا بان نوكل لها دورا شاملا بوصفها الجوار المتاخم للحياة باسرها ، فالأشياء جميعها تترك لنا تصورات ناقصة وتكون بالتالي الحاقا باجراءات الحذف ومقرونة بدلالاتها التي تترامى باطرافها الى ابعد مما نتصوره ، ولكي يتم فهمها يلزم الاقرار بانها متجاوزة لحياة الفرد وما يحيط به من اشياء لا سيما وان اية لحظة راهنة هي بعيدة القدم بالمنظور الزمني ، وهو الذي يأبى العودة الى الوراء ولا يتخلى بمقدار ذرة عن اداء دوره ، فمن بين مظاهر الحذف ما نعيشه لحظة بلحظة ولا ندركه بسهولة ليظل مسكوتا عنه وفي مرتبة ادنى من تصوراتنا متمثلة بما يحدث للكائن البشري من ازاحة لبعض قدراته ( البايلوجية ) او ضمورها مع تقدم العمر الذي يستأثر به الجسد ويبتلعه في النهاية ، وهو امر يشير الى المكونات الجسدية لا يمكن ان تنمو بغياب العلاقة مع مسلمات افنائها وهو يماثل من وجهة مجازية مفهوم ( رولان بارت ) حول الكتابة بوصفها ( اداة توظف في موضوع يتجاوزها ) واقل ما يمكن قوله ان وجود الكائن البشري يفهم معناه الذي لا يمكن ادراكه بيسر فعبر اقصاء وجودية الفرد يتشكل معنى الحياة ويتم تمديد حدودها، وواقع الامر اننا لا يمكننا تعقب عمليات الحذف اولا بأول فلا يكتمل فهم تقدير قيمة المزاح الا بخلو الحياة منه ، فكيف يكون بمقدورنا مثلا الكشف عن الطابع المفارق بين عملية ( التخيل في قاعة مظلمة ) وتميزها عن سواها من دون المرور بما نشعر به ( في الهواء الطلق )[1]  ويحيلنا ذلك الى مقاربات عديدة تدفع بعمليات الحذف الى ادوار متباينة لكنها متجاذبة الاطراف فالمثال المتعلق بـ ( الاستئثار بالجسد ) الذي مرّ ذكره يقترب كثيرا من اشكاليات ( الكتابة غير المقروءة ) والتي لا تنجز قراءتها الا بعد انقضاء وقت التصريح بها فبمجرد ان تقع حادثة كتابية ما يتم ترحيلها بعيدا نحو الادوار التي لا تلفت النظر ، انها رهن استبدادية الزمن وجريانه، وبالدرجة نفسها نلمس انماطا من مظاهر الحدث متخفية بالكثير من اوجه الجسد والسلوك البشري فالاحتفاء بالاخرين عبر التصفيق للابطال ولعارضات الازياء ولملكات الجمال والراقصين والممثلين وما شابه هو سلوك يصلح على الدوام لتلبية رغبات بشرية يقصي بعضها بعضا وبالتالي يضع المحتفي لحظات الانفعال بالمحتفى به على قدم المساواة مع امكانية حذفها والتخلي عنها لصالح محتفى بهم جدد ، ونستدل من ذلك ان الاشياء لا تمكث في زمانها وهي ( شديدة التلاشي ومليئة بالاحتمالات ) وتشير ظاهرة التغريب في مسح بريخت القائمة على حذف ماهو مألوف في السلوك والقوام البشري والاحتكام الى التغريبية التي تتخلل العرض المسرحي وتنقضي بانقضائه الى تلاشي اهمية ما ينجز في عرض ما وعدم صلاحيته لعروض اخرى جديدة والسبب يعود الى ان ( بنى التغريب ) لا يمكن تقديرها بما تنم عن ثبات بل بما فيها من تغير فهي وان كانت حافلة بالاضافات وتجدداتها تكون بالمقابل عرضة للعوز والخسران.

ان اصرار بريخت على قطع المشهد المسرحي مرده الدفع به نحو    ( الزمن الذي لم يحن بعد )[2] منتجا طائفة من التساؤلات المعلقة طوال مدة العرض المسرحي وذلك ما دعاه ( رولان بارت ) بـ ( سؤال بريخت ) وهو ( الجواب المشتت المبعثر في مقاطع تتفكك لينبثق من خلالها المعنى )[3] ونتيجة لذلك يصبح مسرح بريخت ( تتابعا لا نتيجة ) وسيلا من التساؤلات التي لا تكف عن النطق .

وبعيدا عن سجالات بريخت الحذفية التي تنال السلوك الجسدي وتوابعه تقدم لنا لعبة ركوب الامواج مستوى اخر من مستويات الحذف في السلوك الجسدي ، فهي من الالعاب التي تؤسس على فرضية ضياع الهدف ، فليس ثمة علم احمر يشير الى خط النهاية وان عملية ازاحته من امام انظار المتبارين للحيلولة دون الفوز بالجائزة يجعلهم اكثر متعة وهم يتطلعون الى امتلاك شيء يصعب حيازته ، وعلى صعيد مماثل نكتشف مظاهر الاقصاء في سلوك وحركات لاعبي الشطرنج فهم لا يتوقفون على مقدار ما يصاب من اهداف معتبرين لعبتهم بمثابة ( حرب دائمة ضد الاخطاء ) فاية نقلة لا يمكن تصحيحها سلوكيا من دون المرور بخطا ما ، انهم لا يبرءون من اخطائهم ابدا ، وفي ذات الوقت لا يتوقفون عن نقل بيادقهم حتى وان قادتهم الى موت مليكهم ، انهم يواصلون السعي الى احيائه في جولة قادمة ، وهكذا نتبين ان الحياة وفي كل مناحيها توفر فرصا سانحة لعمليات الحذف وانها الحاضنة الابدية لمختلف اجراءاتها . ناهيك عما يولده الانتاج التراكمي من  ( فائض القيمة ) وهي في المنظور الماركسي قيمة مستلبة ومهددة تحيل الى الاغتراب الناجم عن ضياع الجهد البشري بينما تتميز حالة الغياب على مستوى الحذف بكونها فائضا ذا قيمة يتصف بالحضور فيتحول غيابها الى وسيط انتاجي .

واذا افترضنا ان عملية الكتابة هي الاصل فالحذف شريك مناقض في كنفها ويحضى بالجمع بين غياب المقصي من جهة و استمرار حيازته من جهة اخرى ويتحقق ذلك بفضل ما بينهما من تعارض .

والامر النافذ والاكثر اهمية ان جميع ما يحدث من تحولات في اوجه الحياة المختلفة يتملكها واقع كتابي ينزع الى اقصاء راهنيته ويغرينا بتوسيع مفهوم الكتابة ليشمل كل مظاهر الحياة الحسية التي تتعدى امكانات ( القلم والورقة ) وتتجاوزها . وعلى وفق هذا المنظور تصبح الكتابة شرطا اساسيا لكل فعالية بشرية وسمة من سمات أي كائن أنساني لا سيما إذا كانت قائمة على تجاوز شيء ما . ويحيل لي ان التجاوز هو بؤرة الكتابات كلها فالعالم الذي نراه غير مكتوب هو في حقيقة الامر مكتوب باشكال تناسبه وعبر سلسلة من التجاوزات الحسية التي تفرض تبدلا في النظرة اليها . ونحن نتساءل هل هناك ابلغ مما ينتجه الفرد من مشاعر غير قابلة للتدوين لا سيما عندما تكون معاني الحياة ودلالاتها بمتناول مدركاته الحسية محاولا بواسطتها الوصول الى مستوى من مستويات التعبير طلبا لارضاء النفس وتجاوز قلقها .

نستنتج من ذلك ان الفعاليات الحياتية برمتها تعطي لموضوعاتها شكلا كتابيا لا يفترض بالضرورة ان يكون مقروءا فالانتاج مثلا كتابة ليست مستقلة عن الفرد فما يصنعه الانسان من سلع هي شكل كتابي مرئي . زد على ذلك ان حياة العلامة في المفهوم السيميائي تمثل جانبا كتابيا مرئيا وغير مدون ويعم مفاصل الحياة باسرها وبامكان معاينة المرئية ودلالاتها ان تحذف الكتابة باكملها ولنسال : ماذا تحمل ذاكرة البياض في الورقة التي تصنع منها الطائرة الورقية التي تشدها الطفولة البرئية الى الارض بخيط رفيع ؟

اجد في ذاكرة ورقية بيضاء كهذه شكلا طفوليا يتمتع بذاكرة محلقة تتسابق مع اجنحة الطيور وترى كل شيء من علو شاهق اما سلاسل ذيلها الورقية البيضاء فبوسعها ان تكفل لها التوازن وضمانة أي توازن هو بمثابة التذكير بالسقوط عبر لغة البياض . ان الوظيفة الكتابية للكلام الورقي في هذه اللعبة هي فعل ادامة التوازن : ولنضف مثالا اخر الى مثالنا يختص بالذاكرة الورقية لورق الهدايا او علب الحلوى ، ان لذاكرة الورق الملون اللماع وظيفة اخرى تتعدى حدود الكتابة ، أي ان علبة من هذا النوع تحتوي انموذجا من حلوى معينة تحمل ( علامة ) او (ماركة مسجلة) وبوسعها ان تبث شفرة لغوية لمحادثة ذاكرة طفل . ومثلما تغيب لعبة الطائرة الورقية في بياض ورقة ما فان محادثة الطفل بواسطة شفرة الذائقة اللسانية للحلوى تغيب هي الاخرى في الالوان البراقة ، فلكل ورقة شكل مرئي له ابعاد محددة ومعنى مقتضي لكيفية ماثلة امامنا بوصفها مدلولا متحررا من الدال ، فالاشكال تماثل المعاني التي تقتضيها كيفيات معينة سواء كانت ماثلة امامنا او متخيلة في شكلها وطبيعة انماطها المتسمة باللهو البريء او الرغبة البريئة لدى الطفل . ان اشكالا كهذه لا بد ان يكتمل معناها الحسي المباشر بالاستعمال اليومي الذي يغدو مصدرا لاثارة المعاني المتخفية فيها او ما نتخيله عنها نتيجة استعمالها من قبل الاخرين . ان معناها يكتمل في طريقة استعمالها – وطريقة الاستعمال لورقة فارغة تماثل الكتابة ذاتها – ويتيح بياضها الذي نراه فارغا فرصة لظهور معنى ملموس فبين استعمالها الحسي ( العملي ) او حضور صورتها في الذهن ليعاد تذكرها كمعنى ما ، يتم تحويل دلالات البياض فيها الى اشكال مرئية ، عندها يتمتع البياض على الورقة او فراغها الماثل خلف الالوان البراقة بمعنى يتلاءم مع طبيعة ونوع الاستعمال والذي لا يمت للكتابة القلمية بصلة . غير ان كتابة محملة بالدلالات الإرسالية وثرّة بالوقائع التي تتعدى حدود المعنى الكتابي او المتحقق عبر الكتابة يمتلك معنى متحررا من تاثيرات المرجع ( بياض الورقة ) من دون ان يستدعي جهدا كتابيا قلميا بل هو يستند الى اثارة نوع من معرفة الاشياء وطرائق نطق الاشياء المرئية بما تحمل من معنى ودلالة عبر وسائل غير كتابية ، وهذا الامر اكثر سعة من معنى الكتابة ودلالاتها ذاتها فيتخذ مكانة الاستثناء في المالوف وبهذه الطريقة يمكننا التعرف على سخاء المعنى في ورقة بيضاء ناصعة او بتمثيل الصورة البصرية لهذا المعنى في الذهن وكشف دلالته التي تحيل الى مفهوم صوري للكتابة ( يتراءى كما الخط الابيض للفجر ).

ولا يغرب عن بالنا ان بياض الورقة لا يعني فقدانا للمعنى انه يظهر جليا عبر التقنين اليدوي للاشكال الورقية لدرجة ( ان بوسع الاميين قراءته ) ، وعلى هذا النحو تقوم هذه الاشكال بوظيفة ( الخيط المرشد ) لمعنى ما . ان من اللازم الانتباه الى تاويل غرض شكل الورقة وتحويل التصريح المرئي لها الى امكانية شكلية تحمل معان ودلالات تتمتع بسند واقعي لذا يمكن للعين المؤولة ايجاد معنى غير متوقع في بياض أي ورقة ان البياض يخفي معاني مجهولة حيث يصيح الشكل عندنا علامة للتعرف على المعنى ويكون بامكاننا الكشف عن حجب المعاني التي ( لا لزوم فيها لطاولة كتابة ) ، فتاويل الرائي لاشكال الطائرة الورقية تحيل الى وميض العاطفة الطفولية ، واستظهار المحتوى الدلالي لهذه الاشكال بعد ان تظهر معانيها امام الانظار باشكالها الصريحة وما تحمله عناصر المعنى من قوة دلالية لطفل يلهو في اكثر الاشكال غبطة لديه .

يقول الروائي ( هيرمان هيسه ) في قصته ( لهو في الظلام ) حيث يصف ما يمتلك بطل قصته الشاعر ( فلور بيرت ) " انه لم يكتب أي قصائد منذ زمن بعيد ، الا انه عندما يسمع الرياح الغربية والشرقية النائحة ويتامل ضفاف النهر المطرزة باشجار الصنوبر الصفر وشموخ قمم الجبال المزرقة ، ورقصات الغيوم فانه يرسم هناك قصائد طويلة بلا كلمات لا يستطيع ان يكتبها مهما حاول " .

وعلى وفق تصور كهذا يمكن لنا ان نظهر معاني كثيرة عبر المنطوق السيميائي بوصفها تجميع مرئي لمشاهد مختلفة ولعل معنى مرئيا واحدا يحتاج الى صفحات كاملة لغرض تدوينه على الورق فكم من جهد يتطلب نقل هذا المعنى في تصور الطفل وهو يلهو في شكل من الاشكال عبر الكتابة على الورق للوصول الى تقديرات المعاني التي تتناسب مع قيمتها المرئية .

ان المعاني المدركة سيميائيا هي اغزر بطبيعة الحال من المعاني المقروءة ولا سيما التي تعتمد على تشخيص المعنى بالرؤية فمعناها يمكن ان يفهم بالنظر اليها من دون اللجوء الى نشاط قرائي فيمكن لعين الناظر ان تصوغ المعنى عبر الملاحظة الدقيقة او المنفعلة لاكتشاف المعنى المؤسس على معيار شكلي ظاهري يثير صور تخيلية شتى .

ومن وجهة اخرى فان عملية التلقي تحفل بانماط لا حصر لها من الوقائع الاحالية ، التي تحدث على الفور وتضعنا امام استجابات المتلقين ومجهولية خياراتهم ، فلا احد بمقدوره تحديد طبيعة استجابة أي متلق ، فعمليات الاقصاء بوسعها ان تفسح لاية استجابة في ان تاخذ استجابة اخرى لا سيما وان عمليات التلقي هي الاكثر امتثالا لاجراءات الحذف التي تجعل من أي متلق منتميا بالضرورة الى متلق اخر بمقدوره الادلاء باستجابات اخر يصعب تقديرها . وحيال ذلك فان عمليات التلقي تعد نمطا متفوقا يتجاوز حدوده التي يصنعها عبر طائفة من ردود الافعال الازاحية المولدة لاستجابات شتى يعجز المتلقي ذاته عن اتمامها فكل متلق يتضمن متلقيا اخر وكل استجابة هي مقدمة لاستجابة اخرى منتظرة ، وعلى هذا النحو تستمد النصوص معانيها من متلقين مجهولين وتستعير ارادتهم ، فما يدركه المتلقي ليس بمتناول المؤلف والنص والقارئ على السواء ، فعمليات التلقي تجري على وفق نظام من الاداء الاستطرادي يجيز انتقال المعنى من وجه لاخر تبعا لرغبات المتلقين بالفرار من لحظاتهم ، وازاء امر كهذا لا يمكن وضع القراء بمقام المتلقين الذين لا يخططون لاستجاباتهم في الغالب وانما يرتجلونها ارتجالا يحركهم على الدوام عارض متبدل محولا النصوص الى جزء من مدخرات المتلقين المثقلة بمعانيهم وتبدلاتهم التي تحدث في لحظة وتتغير في لحظة الامر الذي يجعل من الاستجابات معاني تخص المتلقين وحدهم وتثير ضروبا من مخبوءاتهم التي لا يمكن التكهن بها ، فهل بمقدورنا مثلا القبض على معنى ودلالات لعبة ( قذف الكرة والتقاطها ) في لحظة هاربة ثم هل يمكن لراقص الجليد مثلا ان يتخطى حدود مساحة الحلبة من دون الاحتكام الى مديات التاويل وممكناته التي تحيل رقصته الى طيران ابيض يسمح بحذف معالم الحلبة وتفصيلاتها وهو افتراض يقارب معنى اية استجابة يلزم من تلقيها تلقي معنى اخر وذلك يناظر في احسن تقريب الشكل المتوالي لانماط الارقام القياسية المفتوحة باتجاه ابطال جدد فمعاني ودلالات هذه الارقام تخلق شعورا لدى من يحوزون عليها بانهم ليسوا ابطالا طالما يستطيع اخرون اخذ اماكنهم وتحطيم  ارقامهم القياسية وان لقب البطولة عبارة عن ( وجود لحظوي هارب ) يجنح الى الغير ويقع خارج اوانه باستمرار وعلى وفق هذا يتعين على النصوص ان تصبح نظير ( ملعقة التذوق ) بصفتها وسيطا احاليا يعكس نكهات متعددة يذهب متذوقها على الدوام الى حيث يشعر انه منقاد وبالمقابل يمكننا العثور عند الطرف الاول لاية عملية تلقي على طرفها الاخر الذي ينأى ولا يستقر بوصفه موطنا لمعان راحلة لها قدرة التحول الحر دون نهاية تظهر حدودها مولدة فيضا من الاستجابات التي تسعى الى خرقها .

ان التوسع غير المحدود لعمليات التلقي يدفع باجراءات الحذف الى تقديم معان جديدة يتولد بعضها عن بعض وتنتج اثرا تلو الآخر، ونفهم من ذلك ان ( لا وجود لمعنى حقيقي في النص ) كما يذهب بول فاليري وان عمليات التلقي المرتبطة بردود الافعال واستجاباتها هي حاضنة ابدية لامزجة ووعي المتلقين التي لا قوة لها على البقاء فكل استجابة تحيل الى اخرى حيث يصبح التوقف امرا مستحيلا ولذلك يصبح من المستحيل البحث عن خاتمة لعمليات التلقي التي تقع خارج النص ولا تشير الى شيء يقوله فالعلم بها هو بمثابة العلم بشيء اخر وجراء ذلك يتعقب المتلقي ما ليس موجودا ( محققا ذاته في تناهيه ) عبر ضرب من الانفلات المتولد عن اجراءات الحذف وتقادماته الضمنية التي لا تكتمل وانما تتناهى مواصلة البحث عن شيء مفقود يماثل اسطورة ( الميناء الذهبي ) الذي لم تدركه وسائل الابحار ولم ترس به يوما ، وهذا يصبح من اللازم القول بان سجالات الحذف تقع بين بعدين متجاورين ومتقاطعين هما حدّ ومتاهة وان تلقي الاستجابة ومالكها الى حين ورهن باستجابة لم تحدث بعد .

وعلى صعيد اخر تتطلع النصوص نحو التضحية بذات المؤلف والاحاطة بسلطته ومن ثم مغادرته صوب مؤلفين جدد فالنصوص       ( المفتوحة ) تبدو - ناقصة بذاتها ومستكملة بغيرها – ومتاثرة بصفات القارئ والمتلقي وخواصها في آن وهي تبعا لما يراه ( جاك دريدا ) " ظاهرة تدشينية في كل مرة "[4] لا تستوفي اغراضها ولا تدرك معانيها المتجلية في نتاج كل قراءة ولا يتحقق حضورها في النصوص من دون غياب طائفة من الكلمات الناجمة عن عملية الحذف المتولدة كرد فعل عن القراءات التي تترك اثرا محرضا مضافا اليها استجابات القراء وتقديرات المتلقين ومهاراتهم التأويلية التي تضع معاني النصوص في مراتب اخرى .

ان بُنى التأويل مؤسسة على حذف معنى ما ومتفاعلة في الاوان ذاته مع بنى الاستجابة المؤسسة على تقبل شفرة ما ونبذ اخرى وهاتان العمليتان تساهمان في اعادة تشكيل النصوص غير مرة وتحويلها الى بياض متروك بانتظار كتابة قادمة قوامها المعاني المتخفية والمشحونة بدلالات منتظرة .

ان النصوص لا تسلم نفسها لرهينتها سعيا منها لبلوغ زمن القارئ الضمني وما يوفره من معان ودلالات يتم الحاقها بالنصوص التي تتجاوز أي ( منظور فردي ) يعيق استمراريتها ، وهكذا يتضح ان القارئ والمتلقي والمؤول هم اطراف ( ضالعون منذ القدم في انتاج معاني النصوص ) وان عملهم هو ( جزء متمم للتاليف ولا يطابقه بالضرورة )[5] وان ( الحذف ) قرين غير منظور لكل مؤلف بوسعه استنطاق النصوص التي ( تعد بنصوص اخرى لا تقولها ) واظهار رسائل خفية ومحايثة للنصوص لم تظهر صراحة من قبل بهدف ادامة وترويج فعل الكتابة واثراء النصوص بالعديد من المعاني او جعلها تتسع لمعان اضافية بعيدا عن المقاصد الشخصية للمؤلف فخلف ( معاني المؤلف الاول تكمن معاني المؤلف الاخر ) وتلك نتيجة لا يمكن تجنبها في النصوص المفتوحة التي تدفع بالمؤلف عبر مفاهيم الحذف واجراءاتها الى ميادين جديدة للكشف عما ( يعد به النص او يتضمنه او يضمره ) للوصول الى ما يسميه ( هيرش ) ( المعنى الذي لم يحدث في زمانه الصحيح ) بمعنى اخر فان النصوص تقترن بالقراء والمتلقين والمؤولين ولا تقترن بمؤلفيها خلافا لتصوراتهم فلا يقينية تضبط حقيقة أي نص تجاه مؤلفه والواقع ( ان النصوص متحررة من الاشخاص الذين انتجوها )[6] وان اجرائية الحذف من جانبها تدفع بالنصوص لقول مالا تقوله مفصحة عن استحالة المساواة بين معاني النصوص ومقاصد مؤلفيها وعلى وفق هذا التصور يمكن اعتبار اجراءات الحذف طرائق منتجة للنصوص حيثما يقع موضعها من القارئ والمتلقي والمؤول فاية قراءة او استجابة او صياغة تاويلية تتطلب حذفا وكما يذهب – ولفجانج – ( فان استهلاك النصوص سيكون بفعل تاويلها ) وان من بين محرضات التاويل – ان النص لا يقول بالضبط ما يعنيه – ولذلك تتعدد النصوص بتعدد التاويلات والقراءات واستجابات المتلقين المثقلة بالاحتمالات وتبايناتها طبقا لظروف زمانية ومكانية بعينها وازاء حالة كهذه فان المؤلفين سيجدون في المعاني المتحققة في نصوصهم غير ما يقصدون وليس امامهم من سبيل غير البحث عن وسيلة تجمع بين مماحيهم واقلامهم في آن وعلى نحو مماثل تُظهر درجة الاستجابة تجاه نص واحد لقراء متباينين ومختلفين فروقا في المعنى تتضح بين ملكية النص لمؤلف ينفرد بمعنى واحد ومشايعته لدى مؤلف اخر لا تنزع نصوصه الى الاستقرار بل وتتجاوز سطورها ( حدود صفحاته المكتوبة ) .

ان تكاثر معاني ودلالات النصوص المفتوحة والمتمتعة بخاصيات متغيرة تُعزا الى كونها نتاجا للتفاعل المستمر بين النصوص والمتلقين واستجابتهم التي ( لا تعد ولا تحصى ) فهم المعنيون بمعنى النص بما يتجاوز ارادة المؤلف المتحققة عبر ما يحدثه اثر النص في المتلقي والذي لا يضاهي اطلاقا ما يحدثه المتلقون من اثار في النصوص ومعنى ذلك ان للنصوص حياة اخرى لا ترتبط بأبوة المؤلف وان حيازة النصوص من قبل مؤلفيها لا تشكل أي امتياز ( طالما بات من الضروري اشراك المتلقي في متعة الكتابة لان متعة الكتابة لا توجد دون متعة القراءة )[7] فعالم المتلقين مليء بالمعاني والتي ربما لا تجيز للمؤلفين الانتماء الى نصوصهم التي باتت تسمو على اصل النص وتتجاوزه .  

 

تطبيقات في السرد القصصي:

  

البطل : كائن لا وجود له

 

تولّد عملية إقصاء الشخصية المحورية في قصة (حكاية الموقد)[8] للقاص محمد خضير ووضعها في منزلة (المحذوف) إشكالية مجازية تنطوي على قدر من الافتراض يتعلق بـ(كائن لا وجود له) حيث تغيب الشخصية وتتلاشى تاركة تصورات الآخرين عنها بصورة استفهام لا ينقطع . فالحوار بين الشخصيات يوحي بأن رب الأسرة المتوقع عودته كل مساء يعرفه الجميع لكن كأنهم لم يروه أبدا . أن غيابه متأسس على إلغاء حدود العلاقة بأي معنى محدد وهذا يعني أن النص لا ينطق بمعان متساوية حول الشخصية (المقصاة) فكل لحظة غياب بإمكانها أن تنتج معانيَ بعيدة عن التصور توجه الاهتمام بشكل مختلف نحوه وتستبدل مشاعر الشخصيات في القصة .

إن الصمت والغياب يقفان قبالة بعضهما في القصة ليخلقا (سراب الشخصية) التي تديم حالة التوتر في القصة وتعمق صورة الغائب المتغيرة بتغير المتلقين .

إن الأشياء تغرق جميعها في الصمت الملتبس بخواص الغائب الهائم في ضباب الموت ، غير أن وهج الحياة لن يتلاشى كلية ، فعملية إقصاء شخصية (رب الأسرة) تتحول إلى معنى من معاني الانتظار متساوقة مع السياق السمعي لمشاهد السرد القصصي المأهولة بتنويعات الأداء الصوتي للقطار وتنغيمات (الكتلي) الذي (ينوس فوق عارضتي الموقد) . وكلا الصوتين يحملان أيضاً معنى منتظرا لصورة الغائب وهو (معنى شبحيٌّ محومٌ في أفق النص) بحسب تعبير جاك دريدا .

إن بنيتي الصمت والغياب ينتجان عبر القص انتظارا مفتوحاً يفترض فكرة عودة الغائب التي تغرينا خلال سياق السرد القصصي بوصفها عودة متأبية وخالدة تتيح للمؤلف فرصة التوسع في مفهومي الغياب والصمت وتصعيدهما ليرتقيا إلى مستويين حذفيين بالغي التأثير فيضعا النص في مصاف آخر يكون بمقدوره أن يطرح التساؤل لا الحل .

إن بوسع التعدد الدلالي لمعنيي الغياب والصمت في القصة أن يسهم في إحكام مغاليق رسالة الغائب أو إعادة تشفيرها في كل حين رغبة في تغييب (لغز الحل) وخلق شعور نفسي متغير وحالة من الإدراك لا شكل لها بين أفراد الأسرة .

إن تقنيات الإقصاء تفلح في إثارة ما يمكن اعتباره حالة لتحريك (البنى الغائبة والمتأهبة للتشكل وراء النصوص) وتضع بنيتي الغياب والصمت في تماس عميق مع الشخصيات لدرجة أن مظاهرهما تلتصق بأوصال أفراد الأسرة وتتشبث بالأشياء والموجودات كلها في حين تتخذ الشخصية المقصاة من الغياب ملاذا لها . وعلى صعيد مماثل تملي اشتراطات الانتظار لأمد طويل نوعا من الصمت المرتبط بإدراك معنى ما ظل متخفيا وراء حادثة غياب رب أسرتهم صمت شبيه بما يحدث (على رقعة لوحة شطرنج فارغة) فالغياب يوصل العلاقة المتوترة بالصمت ويتكتم على سر لعبة البحث عن البطل المقترنة بالانتظار وطقوس الإصغاء على نحو مستمر للمجهول والتواصل بالحواس بين أفراد الأسرة بل أن (كل الحواس تتناسخ في حاسة واحدة ، فهم يشمون رائحة القطار وفضلات المواشي المتخلفة في عربات البضائع ورائحة زيت المكان على ملابس سائق القطار في ذات الوقت الذي يكادون يسمعون فيه حديث السائق مع مراقب السكة ، يتصورون الوجوه المسافرة واحدا فواحدا في أذهانهم ، ويبحثون بينها عن وجههم المفقود)- قصة حكاية الموقد- مجموعة المملكة السوداء .

إن بنيتي الصمت والغياب تتواريان خلف عبء الانتظار والمراوحة وتدفعان بالشخصيات إلى نوع من التعلق بالسيرورة لخلق تصورات يومية متعددة لديهم تجاه (الغائب) وما يضمره كل فرد منهم من أفكار غير مؤكدة عنه يعاد تشكيلها كل مساء من قبل أفراد أسرته في إطار وقت بعينه إذ بوسع صوت القطار أن يمحوه غير مرة معلقا استعداداتهم إلى مساءات أخرى لكن من دون أن يستنفد حصانتهم ضد أي تهديد بنفاد معنى الانتظار .

أما حكايات (الجارة المقوسة الظهر) فترسم تغيرا مهما في النص يقوم على تغييب مصائر أبطال حكاياتها ومقارنتهم بغياب رب الأسرة لإثارة مشاعرهم تجاه فكرة (الغياب الأبدي) أو (غياب اللاعودة) الشبيه بمصير أبطال حكاياتها .

إن تعددية معنى الغياب والصمت في القصة والناجم عن إجراءات حذف الشخصية يدفع باتجاه إنتاج نص مفتوح فبينما تحفل حكايات (الجارة) بموحيات الغياب الأبدي يوحي لنا السارد من جهته بأن غياب بطل القصة (لم يكن غيابا منفصلا بذاته بل متصلا بغيره) وهو الانتظار الموحي بعودة الغائب والمتصل به اتصالا لا غنى عنه وعبر هذا النزوع من التضارب في نمطي السرد القصصي والحكائي يمكننا التسليم بأن أهمية الشخصية تكمن في سيرورة غيابها المولد لأسباب التوتر في النص وان الصمت والغياب هما مناسبتان حذفيتان لتغييب معان سابقة تبعاً لأنماط إدراك المتلقي فثمة علاقة متجاذبة بين نمطين سرديين متخاصمين من أنماط السرد القصصي والسرد الحكائي يظهران شكل الغياب المتمتع بحضور لدى السارد من جهة وشكله المتولد عن سيرورة الغياب (اللامتناهي) أو (الأبدي) في حكايات (الجارة) من جهة أخرى وذلك يغرينا بالقول بأن الشخصية المقصاة ترتبط بعلاقات متعددة الأشكال مع النص والمتلقين فراوية الحكايات لا تسعى للبحث عن البطل الغائب غيابا أبديا في حكاياتها بينما يلح السارد على توكيد غيابه الفعال والمتصل بحضور في مجرى القص . أن حضوره لدى السارد متجل على الدوام بصورة غياب حاسم من شأنه أن يجعل الصمت والغياب اقل مقاما من لغة السرد القصصي ذاتها فالمقاطع الحوارية بين شخصيات القصة لا سيما في لحظات الانتظار تجري على نحو (غير كلامي) وعبر استخدام لغة الصمت فلا نجد رغبة لدى الشخصيات تدفعها للتعبير عن حادثة غياب رب أسرتهم (بمعان كلامية) أو (تبادل لفظي) وذلك ينم عن مقدرة عالية في استخدام تقنيات الإقصاء التي تطال اللغة المنطوقة وتأتي على حذفها ، بل أن النمط السردي القصصي برمته يتشكل من بنيتين متوازيتين ومشدودتي الوثاق لبعضهما هما الغياب والصمت باعتبارهما أكثر أهمية من بطل القصة نفسه فهما يتناوبان في بسط نفوذهما على المساحات السردية للقص وأمكنته المؤثثة بصمت وسكون مفرطين . ففي غمرة الظلام المليء بالترقب يهيمنان على كل شيء ولم يبق غير صور الغياب والصمت المستغرقة في القوة وراء نطاق معنى الانتظار .

إن إجرائية الحذف هنا باعثة لمعان متعددة ويمكن وصفها على نحو مماثل لوصف ( جاك دريدا) الذي يدور حول شخصية ما قائلاً (أن كل البصمات التي تركها خلفه تذكرنا به إلا انه مفقود وغائب ) . إن بنيتي الغياب والصمت بوسعهما أن تُحدِثا استجابات متعددة لدى المتلقين فالنصوص الناجمة عن عمليات الإقصاء والحذف (لا تقول ما تود قوله ) ووفقا لما يراه (جاك دريدا) ذاته فإن المعنى في النصوص المفتوحة يكون (شبه استبيان يملؤه القراء) . لذا فإن شخصيات القصة علاوة على متلقيها يحملون صورا متباينة حول المعاني الجسدية للغائب إذ يبدو أشبه بظل خاطف يرتعش بالحياة . لذا فإن قصة (حكاية الموقد) تتضمن مؤلفا و بطلا آخر – في آن - تصوغ ملامحهما بنيتا الغياب والصمت القائمتان على تحطيم معنى البطل والمؤلف وخلق تصورات متعددة حولهما .

 

 

 

 

 وظيفة الاستبدال في التأليف المغاير

 

 

     يعرض القاص محمود عبد الوهاب جانبا من ظروف ولادة قصـــــــته ( عابر استثنائي )[9] في سياق ما كتبه عن (سيرة حياة القصة القصيرة , قص القص ) واصفا عملية تكون نصه التي جرت في ظل طائفة من إجراءات الحذف وعبر مراحلها الشفوية والمكتوبة , مفصحا عن تعددية مستوياتها, ومظاهرها التي لا تنحصر بتعريف واحد لعدم ثباتها , إذ يصبح عدم الثبات ( جزءا من تعريفها ) وشاهدا على تقلباتها الإجرائية المتلاحقة وبموجب مستويات ثلاثة في القصة (مضمر – مكتوب - استبدالي ) فبينما يجري مستواها المضمر أثناء التصميم الذهني للفكرة أو على عتبة الشعور بها أبان تحركها الحر في الذهن حينما تمسي مثيرة لقلق المؤلف ومتوافقة مع خواطره المشحونة بالخيارات المشوشة والمرتبكة , حيث تتوالى ارسالا وارتجالا في حافظة المؤلف وعلى نحو فوري من دون أن تترك أثرا في نطاق المرئي والملحوظ ( أشهر  وأشهر من الحذف والتعديل والإضافات في الرأس ) فإنها تجري في مستواها المكتوب استجابة لأفعال قرائية محرضة أو على وفق معرفي مختلف يقتضي المزيد من المراجعة وأعادة النظر عبر الرجوع المستمر للنص والتي تندرج ضمن فرضيات عمل الكاتب فتترك أثرا في مسودات عمله وبسطوره المأهولة بالكلمات ومتوافقة مع عملية الكتابة ذاتها ( عمليات كتابة وشطب  وتقديم وتأخير وتكثيف وتوسيع ) وكما يتضح من وصف القاص لسياقات عمله في هذا النص فأن ( الرجوع المستمر ) أسهم في تشغيل علاقات الإقصاء المفضية إلى تواصل لا انقطاع والمتجلية عبر مظاهر الحذف وإجراءاته باعتبارها (عناصر بنائية) في مراحل تكوين النص ومكونا من مكوناته التي تفصح عن وظائفها الإنتاجية في إطار ما تولده ( الخصومة المنتجة ) بوصف الاستبدال احد مظاهر الحذف وهو بمثابة تأليفا مغايرا.

أن الانقسام الثنائي لكلتا الشخصيتين الناجم عن عملية ( الاستبدال ) وانزياحاتها يشير إلى مستوى آخر لإجراءات الحذف تتصل بمتغيرات هامة تقع على مستوى العلاقات والوظائف بين شخوص القصة محدثا انعطافا هاما على مستوى اتجاهات السرد وإحداثياته ومن ثم ما يحدثه على مستوى القيم الدلالية لعملية الإرسال في الحوار الذي يجـــــري بين ( الرجل والمرأة ) والذي يتجلى من خلاله رصيدهما النفسي ليظهرهما بعد عملية( الاستبدال ) شخصيتين مختلفتين لا تنتميان إلى مرجع نفسي واحد في الوقت الذي يتغير نمط العلاقة ومستوياتها بين ( المرأة – الكهل ) تغيرا فاعلا في مجرى القص فبعد ان كانت ( العلاقة اعتباطية في الواقع المرئي حينما التقى الرجل ( الكهل ) المرأة مصادفة في الشارع اخذت الدلالة في واقع النص تتوالد من تراكم العلاقات بشكل تتابعي للوحدات السردية الاربع :( اشفاق على الكهل – حيرة وتساؤل – التفكير بالكهولة – الخوف من الياس ) ان اجرائية       ( الاستبدال ) ســـاهمت في تفجير ( قدرات مغيبة ) وتوسيع قابلية طرفي الدلالة ودفعهما نحو مستوى اكثر فعالية في مجرى النص , فقد تولت وظيفة ( الاستبدال ) قلب السلوك الشخصي ( للمرأة – الكهل ) ليبرز اثر آلية ( الفعل المنعكس ) في المعنى البديل وتحقيق فاعلية ( المقتضى المناقض ) بعد ان حل احدهما محل الآخر ووقع في موقع النقيض منه إذ سمحت انزياحات الاستبدال باطلاق الممكنات في النص وتحريك العناصر الدلالية المنتظرة , وهذا يدل على قصدية واعية يتمتع بها القاص ودربة ودراية هدفها استثمار اللعب بالعلاقة لاظهار حساسية الشخوص وتعميق أهمية الحوار بين ( المرأة والزوج ) ليصبح ( فاعل التبئير – المرأة بدلا من الكهل بقرينة استبدال ضمير المذكر بالمؤنث ( رآها ) في المسودة الاولى و ( ... رأته ) في البداية المعدلة  , ان التعديل الذي حصل في نقل الرؤية من الكهل الى المرأة يمنح القصة اقناعا بطروحاتها , ولو حدثت الرؤيا على العكس , من الكهل لانغلقت الدلالة  المحمولة وانتفت , فان التفكير بالمصير القائم ( الكهولة ) عند الكهل لايكون مأساويا مثلما يكون التفكير بالمصير القائم للكهولة لدى امراة شابة ) وهكذا نرى بان النصوص المفتوحة الخاضعة للاحتمال لاتنزع الى الاستقرار وان اجرائية الحذف متأصلة فيها ومتواقعة مع بداياتها فمنذ ان كانت قصة ( عابر استثنائي ) توميء بخفاء في مخيلة مؤلفها , ولم تكن في وقتها سوى ( ومضة عينين و ماتزال تقدح في الراس )  شرعت اجراءات الحذف بتشغيل قدراتها نتيجة رغبات المؤلف في البحث عن المخفي بين طرفي الدلالة ( المرأة - الكهل ) ودفعت به نحو (صراع نفسي حاد , وممتع ومضن , محبط وسار , معاناة للخروج من سطوة اللغة لسانيا الى الادبية صوتيا ) ان معاناة المؤلف هذه التي تداخلها رغبة في الخروج ( من – الى ) بمثابة مؤشر اولي لبدء عملية الحذف ودليل على تأصلها في ماضي النص وبدئيته لتكشف في ما بعد عن شفرات رسالة  محادثة للنص ظل القاص يسعى لبلوغها عبر حضور قيم دلالية غائبة .

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

احالات :



 -[1] رولان بارت ( مقالات في المسرح )

[2] - نفس المصدر

[3] - نفس المصدر

[4] - جاك دريدا  ( صيدلية افلاطون )

[5] - حاتم الصكر / مجلة اقلام / قصيدة النثر

[6] - جاك دريدا / برج بابل / الاختلاف في الترجمة

[7] - رولان بارت / حوارات / حميدة نعنع

[8] - قصة (حكاية الموقد ) من مجموعة القاص محمد خضير ( المملكة السوداء )

[9] - قصة ( عابر استثنائي ) من مجموعة القاص محمود عبد الوهاب ( عابر استثنائي )



© 2009 All rights reserved.
Powered by: PHPCow.com