قناة     
الديار    
الفضائية
الصفحة الرئيسية


 الدورة البرامجية

 السبت  الاحد  الاثنين  الثلاثاء
الاربعاء  الخميس  الجمعة

 

خريطة العراق


الطقس





ما التأريخ الذي كَـتبَهُ سليمان فيضــي !؟



               

     

                                              إحسان وفيق السامرائي

 

 

عندما نحاول الاقتراب من سيرة بعض السياسيين العراقيين فلابد لنا من جرأة حقيقية  و تحقيق موضوعي لدراسة ما خفي عن تلك الشخصيات  ، فالتأريخ ظلّ بمنأى عن ذلك حيث  لم يجرأ المؤرخون والباحثون على إيجاد صيغ عملية لاسـتنتاج ما ظلّ  في طيّ النسيان ومن هذه الشخصيات السيد (سليمان فيضي ) ، الذي أفرد له تاريخنا صفحات مشرقة ليصبح مرجعاً تاريخياً وتوثيقياً من دون أن يتعرض إلى الزوايا الذاتية في شخصيته الحقيقية عندما أهمل المؤشرات والدلائل فحفظ للرجل تحامله وتزويره للتاريخ !!

و بعد ما يقارب من مائة سنة كان لابد لنا من نفض الرماد عن وجه التاريخ للبحث عن الحقيقة !.

إنّ ماحفّزنا الى هذه العودة ظهور موجة من الدراسات الخاصة بشخصية السيد سليمان فيضي ،  منها : سليمان فيضي _ من رواد النهضة العربية ، وسليمان فيضي و دوره السياسي والثقافي و الاجتماعي في العراق من 1885- 1951 ( رسالة ماجستير ) للآنسة خوله طالب لفته الحمادي …إضافة إلى عشرات البحوث و الدراسات الأخرى .

لقد ظهر سليمان فيضي فجأة على مسرح السياسة عندما وجد طقساً مؤاتياً قرّبه من  ثالوث القوة في ولاية البصرة و الخليج العربي أبان الحكم العثماني ( السيد طالب باشا النقيب  و السردار الشيخ خزعل أمير المحمرة والشيخ مبارك الصباح أمير الكويت .) .

و قد دللت أفكاره على تناقض حاد حتى في فهمه للقضية القومية وجهله بواقع التنظيمات السياسية من خلال انتماءاته السياسية المتكررة و أسلوبه في تحريف التاريخ وادعاءاته بالقيادة       و إقحام نفسه وسط زخم الأحداث الساخنة ولغاية واحدة هي حب الظهور و الوصول إلى  ما يريد !! .

ويلاحظ أن هذا الرجل قد أغفل متعمداً خواص الاحتلال البريطاني للبصرة إلا من خلال مردودات منقوشة على الصحف المحلية ، كما أغفل متعمداً ( ثورة العشرين ) إلا ما يخص المؤتمرات الوطنية التي حشر فيها علما بأنه كان يتحرك باتجاهين متعاكسين ( البصرة - بغداد ) مبرراً ذلك بشؤون وظيفية و تجارية لا تتفق ومكانته التي خلقها لنفسه و ما تلاها من صراعات بين الشعب العراقي وقوات الاحتلال من أجل الاستقلال فأهمل متعمداً الصراعات الحقيقية على العرش في العراق و انتهاءً بحركة مايس 1941 ، في حين أساغ لنفسه أن يتحدث عن صراعات آل الرشيد وآل سعود في الجزيرة العربية من دون أن يكون طرفاً في الصراع في حين تناسى دور السيد طالب النقيب في الأحساء ..!!!

وقد أثار كتاب سليمان فيضي ( من رواد النهضة العربية ) المؤرخ السيد (نجدة فتحي صفوة ) الذي قدّم لسيرة حياته قائلاً :

[  لاحظت وجود عبارات و صيغ يستغرب أن تكون مكتوبة  بلغة شخص من جيل سليمان وطراز ثقافته – منها ( العناوين ، ومنها بعض التعابير و الإستشهادات ) ، وأثار انتباهي ورود عبارات و عناوين تدلّ على أنّ المؤلف يحاول تعظيم نفسه والتظاهر بأهمية خاصة مثل      ( واختارني الإنكليز لقيادة الثورة ؟ ) وكان ذلك جميعا متناقضاً لما عرف عنه ولما شهدت فيه شخصيا من التواضع و الرقة ؟!  فكيف أمكن  سليمان أن يكتب تلك المذكرات ؟  ]  (1)

( إن صاحبها لم يكتبها و إنما أملاها من سرير مرضه على كريمته السيدة ليلى ( 2 ) ، و غاية  ( فيضي ) من هذا التوجه إيجاد تبرير ذاتي لمفاهيمه وتطلعاته الحقيقية فاعتمد على سرد الوقائع  التي شابها الكثير من التحريف و الافتعال إذا ما تأكدنا بان ابنته ( ليلى ) هي من مواليد عام 1929وعمرها يوم أملى عليها المذكرات لا يتجاوز (21) عاماً وهي سن مراهقة لا تؤهلها أن تغيّر في نمط المذكرات ولا في تحرير المفاهيم الجديدة وباعتقادنا أنّ الشك الذي زرعه فيضي كان مقصودا ليدفع بالباحثين إلى خلق التبريرات وتمرير ما أراده فعلياً ؟! )

إنّ الأمانة التاريخية في سرد الوقائع المعاصرة تفرض نوعاً من التحرر والاحترام و الالتزام بالمسؤولية لكون كاتبها ليس رجلاً طارئا على السياسة كما لاح في تاريخ سيرته و هو ما كان مطلوبا لإيجاد نوع من الحياد خوفا من السقوط في شباك التحامل و الأنانية وكنا نأمل أن تكون السنوات التي تلت صدور ( في غمرة النضال ) و ما أعقبها من ( إعادة و طبع و إضافة للرتوش ) سيحقق الصدق و يعيد تصحيح ما فات إلا أنّ ذلك لم يقع فعلا فقد تهافت الورثة على الخطأ !! حتى أن أي مؤرخ لم يجرأ على الإدانة باستثناء البعض خلال الحقبة الأخيرة من القرن العشرين .

يقول سليمان فيضي( 3  ) :

                     لقد توخيت الصدق والصراحة في كل حرف من هذا الكتاب ، و لكني تحاشـيت ما يثير الخواطر و يبلبل الأفكار ،  فمررت على بعض الحوادث المثيرة مرور الكرام لا خوفاً             ولا تهـيّباً إنما حرصا على المصلحة العامة و دفعاً للشقاق !!؟

إن وجود الفراغات في مذكراته ما يؤكد أمانته لشخصه فقط في ما يقول ! وتعاليه على من يحيط به لشعوره الدائم بالذنب وقد ترك ما يقرب من خمسين عاماً تمضي من دون أن يجرأ على كتابتها و هو ما استنفد عنده الهدف الرئيس وأباح له أن يطلع و يتابع كل ما كتب عن تلك الفترة ، فقلّب المذكرات و الوثائق و استلّ منها ما يهمّه و يعجبه و بعد ذلك تعكّز على مرضه وعلى ابنته ليدفع عن نفسه كاهل تأنيب الضمير  الذي عاشه !

 إنّ سليمان فيضي  الذي قرأ كل شيء !  شعر أن البتر التاريخي والسياسي في نهايات الحكم العثماني هو أولى المنطلقات مستفيداًًًً من التعتيم السياسي على سيرة السيد طالب النقيب بعد نفي الإنكليز له و اعتلاء الملك فيصل الأول عرش العراق ، وقد وجدها سليمان فيضي  مناسبة مهمة للظهور على حسابه مستفيداًً  من ضياع وإتلاف مذكرات السيد طالب النقيب ( 4  ) وبذلك تحقق له غياب الشاهد الرئيسي .

و سؤالنا الرئيـس هنا ، من وراء سليمان فيضي  ؟؟ و لماذا تنكّر للرجال الذين رفعوه إلى سدّة التاريخ ؟    

يعرف الباحثون ورجال التاريخ و السياسة الكثير من ملامح الماسونية كحركة باطنية قيّض لها أن تتغلغل وتؤثر على مسار الحركات القومية و الوطنية في الوطن العربي بحكم شعاراتها الإنسانية الطافحة بالحرية و المساواة و الإخاء ، و قد عرف تاريخنا السياسي نماذج لامعة من الرجال الذين خاضوا معترك الواقع السياسي و تأثروا بالشعارات التي جاءت بها الثورة الفرنسية ..

و مهما كان محتوى الحركة و ارتباطاتها و روافدها فمهمتنا هي تحليل دورها في العراق لاعتقادنا بأن الماسونية ظلت تحظى بتعتيم كبير لم تحاول حتى السلطات العسكرية كشفها بشكل تفصيلي  .

      ( إنّ آخر حلقات الماسونية كان اكتشاف صندوق للودائع بإسم إحدى الجمعيات الماسونية في البصرة خلال عمليات جرد للبنك العربي ( المؤمم ) جرت عام 1970) ، وجاء الاكتشاف بالصدفة ..!!  عندما كشفت بعض الأسماء فجرت محاكمتهم أمام محكمة الثورة      في بغداد وصدرت الأحكام .

و منذ ذلك التاريخ و الحركة الماسونية في العراق بمنأى عن الوطن العربي إذ لم نتعرف إلا لبعض التكهنات و الملامح الغامضة التي جاءت عبر إصدارات متنوعة عنها لأن التخبط السياسي  و الصراعات التي انشغلت بها القوى الوطنية داخل العراق قد ساعدت على إهمال البحث عن ارتباطاتها و علاقاتها بالقوى الثورية الجديدة ، إضافة إلى طبيعة العراق الاجتماعية وتكويناته   العرقية والطائفية و ارتباطاتها بالحركات الباطنية الأخرى مثل البهائية وغيرها ..!

إنّ ما يؤكد الشك في سلوكية السيد سليمان فيضي هو مطابقته للأهداف التي تريدها الماسونية السياسية و اقترابه من غاياتها في حرفها للمسار التاريخي ، (ن شخصيته مهيأة نفسياً لتحقيق ذلك بسبب الثغرات التي يمتلكها وحبّه للظهور وعدم وعيه للفكر القومي و السياسي ) .

و هذا الإيهام هو الطريق الماسوني الفعلي لأن ما تريده الماسونية السياسية هو تكثيف شكوكها باختلاق الأحداث وغايتها من ذلك تبديد الحقيقة ، وهو ذات الأسلوب الذي اتبعه  ( جرجي زيدان ) في عرضه للأحداث و الأشخاص عندما مسخ التاريخ العربي و جرّد العرب من مثلهم و أخلاقياتهم و ملأ تاريخهم بالخداع و الغدر و الخيانة ..!!

إنّ  ( في غمرة النضال ) كما ظهرت في حلتها عام 1951 لم تكن مكتوبة من قبل بل جمعت ورتبت حسب ظهور الشخصيات و الأحداث و ما خلا الرسائل الشخصية و الشهادات  و الكتب الرسمية و الإدارية _ فليس فيها ما يشير إلى كونها مذكرات سياسية ، إذ لو جردناها  من ( المنقولات ) لما ظهرت إلا كسيرة إدارية لرجل يهوى الجمعيات الاجتماعية فهي أقرب إلى التاريخ الشخصي المجرد ، و ما يهمنا الآن هو معرفة اللغة التي كتب السيد سليمان فيضي فيها    ( مذكراته )  و هو على فراش المرض ؟!!

إذ يبدو أن الرجل كان مصاباً بما يسمى :

      ( Psychosis  , Simu Lataion feigning , Bias – prejudice . )

و هي ثلاث عوارض مرضية ( اختلاط الذهن و التظاهر و التحامل ) وهي كفيلة باختلال الرؤيا و عدم الوضوح و الإغفال المتعمد و الاختلاق  ( 5  ) .

و هو ما ينفي عن ( في غمرة النضال ) أية صفة يمكن الاستناد إليها كمذكرات أمينة  بسبب المرض النفسي الذي كان – سليمان فيضي - يعاني منه إضافة إلى أن ( المذكرات لا يمكن   اعتبارها بحكم الوثائق ، لان صاحب المذكرات كثيراً ما يتجنب أموراً مهمة خوفاً على نفسه من الطعن و التجريح  ) ( 6 ) .

وهو ذات الأسلوب الذي اتبعه سليمان فيضي  في تقطيع التاريخ و إعادة صياغته بصورة تتوافق مع  نظرته الخاصة و اختلال رؤياه . والمثير للتساؤل أن المؤرخين العرب و العراقيين ظلوا سنوات عديدة يتخبطون و يقيمون تحليلاتهم على مذكرات رجل مريض لم يحترم المبادئ التي  عمل فيها أو الرجال الذين خدم عندهم ولأن ما شفع لهذا الرجل بعد صدور كتابه ، إن فترة   من الصمت كانت مفروضة لتجنب نبش التاريخ أو إعادة تقييمه و قد استفاد سليمان فيضي    من التعتيم الذي فرضته الحكومة الملكية في العراق على وقائع وأسلوب نفي السيد طالب باشا النقيب 1921 م إذ لم يحاول أي مؤرخ أو صحفي أو حتى رجال النقيب أنفسهم من عرض أو تحليل للأسباب الحقيقية له ..! كما أن حصيلة الأحداث التي وقعت عشية الانقلاب العسكري يوم 14 من تموز 1958 على الحكومة الملكية و انشغال رجاله بالصراع السياسي الداخلي والتآمر الخارجي إضافة إلى أن الواقع كان يمر بمرحلة النفاس والرضاعة ولجهل العسكريين ببواطن وخفايا السياسة قد ساعد على إهمال كل ما هو خارج دائرة الصراع ، وبهذه الصورة تمكنت الماسونية  من فرض غطاء من النسـيان على مرحلة مهمة من تاريخ العراق و الإبقاء على الانحراف الذي أباح لها أن تعمق الشق و أن تبعد الاتجاه الحقيقي ، مستترة على كل ما يؤثر على دورها لتوطين الأحداث الجديدة فأعطت لسليمان فيضي دماءً جديدة أباحت له أن يكون شاهداًًً و مبشراًً  ومرجـعاً تاريخـياً ، فحددت مسار الطريق عبر بوابة واحدة هي بوابتها !! ، كما أن اختلاط المفاهيم في صيغ تكوين ومنشأ سليمان فيضي قد خلقت صفات ومرادفات لغوية ليس لها من قياسات سياسية ،فالمؤرخون وقعوا في تفسيرات عكسية عندما اختلطت عندهم صفة – المندوب بفهم أساسية المعتمد – و هي اقرب إلى صفتي – النبي و الرسول – فنجح سليمان  ونجحت الماسونية في تمويه المؤرخين من خلال التلاعب بهاتين الصفتين عندما حمّل نفسه صفات القيادة والزعامة التي عانى من اجلها الكثير ..!!  .

و برغم أن بعض الباحثين و المؤرخين العراقيين بالذات حاولوا كشف الكثير من خبايا هذا الرجل إلا انهم ظلوا بمنأى عن اتهامه بالماسونية نتيجة المتضادات في الواقع السياسي العراقي  و الغموض الذي لف موازينها السياسية ، فالتلبّس الحاصل عنده هو الذي جعل من اليسير التغاضي عن طبيعته الاجتماعية و منحدراته الطبقية و عقليته وخصوصاً في مجتمع منفتح مثل  مجتمع البصرة إلا أن ذلك التقبّل الذي منحته البصرة له لم يقنعه لأن أكثر ما يشغله هو كيفية اختراقه لتلك الحصون البرجوازية الحاكمة ، و الماسونية كما نرى هي الأقدر على خلق هذا التوافق وتحديد ساعة الصفر وكأنه حادث عرضي ، وأكثر الاحتمالات قرباً من الموضوع  كانت حادثة ( جريدة الإيقاظ ) وتحرشها بالدرك العثماني و هذه الصدفة لم تكن وليدة لحظتها ، فالماسونية ظلت بعيدة عن اختراق أسوار السيد طالب النقيب القومية فقدمت هذا القربان أسوة بما يقع من فبركة سياسية تمارسها الأحزاب لتجعل من سليمان فيضي ضحية قومية أمام اعتداء الدرك العثماني و لتدفع بسليمان فيضي إلى الموجة الجديدة وإطارها القومي لتتمازج مع تكوين شخصيته التي ظلت تحمل تركات غامضة ومجهولة لم يجرأ هو على كشف أسرارها بعد تركه للموصل ..!!؟ .

إنّ هذا الاستنتاج لم يكن مفتعلا أو مقصودا للطعن بشخصيته لان البصرة و منذ عام  – 1839 – كانت قاعدة للماسونية كما ورد ذلك في حفل افتتاح ( محفل ما بين النهرين ) عام 1918 ( 7  ) ومع أن عدد المحافل الماسونية في العراق كان ( ثمانية عشر ) محفلا فان البصرة كانت تمثل اكثر من الثلث من خلال محافلها المعروفة ( محفل ما بين النهرين ) 1918 و ( محفل بابل ) رقم (1326 ) عام 1922الذي يعقد اجتماعاته في مقر شركة اندروير و عبادان ومحفل ( صدق الوفا ) الذي كان تحت رعاية المحفل الوطني الأكبر المصري ، و(محفل البصرة)  رقم (5105 ) ،  ومحفل ( الفيحاء ) رقم ( 1311 ) وقد (فتح خصيصا لمن لا يجيدون اللغة الإنكليزية ) ، و( محفل إنكلترا الأعظم ) الذي كان تحت رعاية محفل إنجلترا الأعظم . ونعتقد بأن كثرة تلك المحافل لم يتـوازن مع العدد التخميني المعلن و الذي يقدّر بـ ( 625 ) عضوا لأن تراكمات اكثر من قرن و نصف من الزمن و التغييرات السياسية التي عصفت بالبلاد و الأفكار الجديدة الواردة لا تجعل مثل هذا الرقم صحيحا .!! ، يضاف إلى ذلك بأن التسويات و التعتيم الحاصل وأساليب المعالجة قد زادت من الغموض كما أن أساليب الماسونية قد تعددت وتطورت اكثر في  نشر أفكارها حيث لم تعد مقاييسها الأولى هي المحك في قبول الأعضاء بعد الانقلابات والثورات التي عصفت بالمنطقة العربية و ظهور الفكر القومي و الاشتراكي ، فالماسونية كانت ترى في القومية مبادئ مضللة فأوجدت أساليب تكتيكية جديدة لاحتواء الفكر القومي  و تسخير أداتها للاستحواذ على قادتها وممثليها و غايتها من كل ذلك تضليل الفكر الإنساني  بنشر سمومها وشكوكها  ..! .

وسليمان فيضي واحد من الذين أنشبت الماسونية أظفارها في عقله فهو من الرجال الذين   لم يهضموا الفكر القومي أو جوهره إلا على المستويين المصلحي و الصحفي !! لأنه كان يجهل دوره و قدرته ودفعه لتنفيذ مخططاتها ، فالفهم القومي عند سليمان كان شكلياً ومن دون نضوج   عند معالجته لبعض الظواهر فحاول متعمداً إغفالها أو تمييع قدرتها .

خلال – مذكراته – لم يستطع احتواء ما كان يظهر على الساحة عندما تجاهل مؤتمر  – باب ميدان – الذي عقد في ديوانية السيد محمد بركات ( تخلّف عنه الشيخ مبارك الصباح ) ( 8 ) . و أهمل عن قصد مؤتمر المحمرة 1913 إلا بعض ما نشر عنه و بشكل مغاير لغاياته الوحدوية .

و كانت غاية سليمان فيضي من هذا الإهمال المتعمد مسخ كل التوجهات القومية الفعلية التي أراد منها المؤتمر خلق شكل من أشكال الاتحادات الكونفيدرالية ، و سر ذلك يكمن بأنه لم يدعٍِّ أو يحضر فيه فحاول الطعن بأهداف المؤتمر من خلال شخصية السيد طالب النقيب والتأكيد على علاقته بالمستر كرو القنصل البريطاني ! ، كما أهمل سليمان فيضي المؤتمر الطلابي الأول في باريس 1913 وتغاضى عن برقية السيد طالب النقيب التأييدية له و التي لم يعقد المؤتمر إلاّ بعد وصولها إليه .

إن التناقض في شخصية سليمان فيضي و الادعاء بأنه كان من الرعيل الأول العامل في المجال القومي كان ادعاءً باطلاً ، فالرجل لم يكن يفهم خواص الفكر القومي إلا اسمياً و قد أساغت الآنسة خولة طالب لفته الحمادي في أطروحتها بالتأكيد على ( أما من حيث الاتجاه السياسي فقد كان سليمان فيضي حتى عام 1914 متأثراً بروح القومية المعتدلة ، إذ كان  عربي – عثماني  ( الانتماء والفكر ) !! (  9 ) .

إنّ الباحثة قد خلطت بين الانتماء القومي والتوجه السياسي ، فالتوجه السياسي صفة  حزبية لا علاقة لها بالفهم القومي أما القومية العربية فهي انتماء وحركة و أما أن يكون سليمان فيضي متأثراً بروح القومية المعتدلة !  فهو رأي مردود لأن القومية انتماء ووجود أما الاعتدال والتطرف فهو رهين المنهج الذي تمشي له الأحزاب السياسية ونظرتها العرقية أو الإنسانية وهناك أمثلة كثيرة حول الشوفينية و الغلو القومي أو المحتوى الإنساني ، وعبر هذه التأويلات اختلقت شخصية سليمان فيضي وانكشـفت مفاهيمه ولأن الفهم القومي كان جديداً إلا أن نظرة   جدية لكتاب أبو حيان التوحيدي ( الإمتاع و المؤانسة ) على سبيل المثال يمكنها أن توضح  صفات العربي ..!! .

و يلاحظ أن الفهم القومي عند فيضي كان مشوشاً عندما يصف حقيقة تاريخه قائلاً :

                     (    وقد أدرك السلطان أن ارتقاء الشعوب و الأقوام المختلفة التي تسـتظل بالراية العثمانية تدبير حكيم و انه في اليوم الذي تنـفض هذه الشعوب سطوة العثمانية سيكون هلاكه  وانهـيار عرشـه لذلك حرص على أن يضم إلى بطانته و حاشـيته عناصر من هذه الشعوب جمعاء و أصـبحت المناصب الكبيرة مشاعا للجميع بصرف النظر عن القومية والدين !! ) .

و يحاول سليمان على خلاف الفهم القومي أن يجعل من الفكر القومي صورة إقليمية و عنصرية عندما يصنف الرجال و يضع أمام كل اسم هوية إقليمية ...: -



© 2009 All rights reserved.
Powered by: PHPCow.com