المقدمة
يعتبر صندوق النقد الدولي أحد المؤسسات المالية التي تأسست بعد الحرب العالمية الثانية ،كأداة لتمويل مشاريع الأعمال لإعادة بناء مادمرته الحرب . كما يعتبر هذا الصندوق احد الأعمدة الثلاثة للعولمة ،إلى جانب البنك الدولي للإنشاء والتعمير ومنظمة التجارة العالمية .
وتهيمن على أدارة هذا الصندوق الدول الصناعية المتقدمة حيث تفرض شروطاً قاسية على الدول النامية التي تروم التعامل معه أو الحصول على قروض لإقامة بعض المشاريع التنموية . ومن هذه الشروط المجحفة بحق الدول النامية أجبارها على وقف الدعم الحكومي للسلع الأساسية والغذائية التي تهم صميم حياة المواطنين ، وكذلك حثها على خصخصة اقتصاديات تلك الدول وبيع المشاريع المهمة إلى القطاع الخاص ، وعدم ضمان حصول الخريجين على وظائف حكومية وهذا الأمر يؤدي إلى زيادة البطالة وتفاقم مشاكل المواطنين وخاصة الطبقات الفقيرة .
وقبل عام 2003 م لم يكن هناك تعامل جدي بين العراق وصندوق النقد الدولي لكون العراق بلداً نفطياً وزراعياً لا يحتاج إلى قروض هذا الصندوق .ولكن بعد السقوط بدأت الاتصالات والاجتماعات بين ممثلي الحكومة العراقية وإدارة الصندوق من اجل حث الدول الأخرى لإطفاء الديون المترتبة على العراق ، والحصول على قروض ودعم مالي من الدول المتقدمة لإعادة أعمار العراق وفك الاختناقات التي يعاني منها الاقتصاد العراقي بعد حالة الدمار التي تعرض لها البلد أثناء حرب الخليج الثالثة وما تلاها من أعمال تخريبية طالت البنية التحتية للاقتصاد العراقي ، وتوقف الحركة الصناعية وتدهور الواقع الزراعي .
وفي هذا البحث سنتناول ماهية صندوق النقد الدولي ودوره في الاقتصاد العالمي واهدافه ومصادر تمويله وكذلك طبيعة العلاقة بينه وبين العراق وما هي الاتفاقيات الموقعة بينهما ،والمخاطر المحتملة من حالة رهن الاقتصاد العراقي بشروط الصندوق التي تزيد من تعقيد مشاكل الاقتصاد وبالتالي زيادة معاناة الشعب العراقي .
صندوق النقد الدولي
صندوق النقد الدولي هو وكالة متخصصة من منظومة بريتون وودز أنشئ بموجب معاهدة دولية في عام 1945 للعمل على تعزيز سلامة الاقتصاد العالمي. ويقع مقر الصندوق في واشنطن العاصمة، ويديره أعضاؤه الذين يشملون جميع بلدان العالم تقريباً .
نشأة الصندوق
أنشى صندوق النقد الدولي مع نهاية الحرب العالمية الثانية في سياق السعي لبناء نظام اقتصادي دولي جديد أكثر استقرارا وتجنبا لأخطاء العقود السابقة التي أسفرت عن خسائر فادحة، وظل الصندوق في حالة تغير و تكيف دائمة. وحين اجتمع أعضاء وفود 44 بلدا في بريتون وودز بولاية نيوهامبشاير في شهر تموز من عام 1944 لإنشاء مؤسستين تحكمان العلاقات الاقتصادية الدولية في أعقاب الحرب العالمية الثانية،و كان تركيزهم منصباً على تجنب تكرار الإخفاقات التي مني بها مؤتمر باريس للسلام الذي وضع نهاية للحرب العالمية الأولى، فرأوا أن تأسيس بنك دولي للإنشاء والتعمير من شأنه العمل على استعادة النشاط الاقتصادي، وأن إقامة صندوق نقد دولي من شأنه المساعدة في استعادة قابلية تحويل العملات والنشاط التجاري متعدد الأطراف، وبالنسبة لكل من جون ماينارد كينز، رجل الاقتصاد الذي ترأس وفد بريطانيا، وهاري ديكستر وايت، صاحب الإسهام الأكبر في صياغة اتفاقية تأسيس الصندوق ممثلا للوفد الأمريكي، كان المبدأ الحافز لإنشاء الصندوق هو تحقيق النمو الاقتصادي بعد الحرب العالمية الثانية بإنشاء مؤسسة تحول دون الانعكاس إلى هوة الانغلاق والحماية، وليس فقط تجنب تكرار الكساد الكبير.
دور الصندوق
صندوق النقد الدولي هو المؤسسة المركزية في النظام النقدي الدولي - أي نظام المدفوعات الدولية وأسعار صرف العملات الذي يسمح بإجراء المعاملات التجارية بين البلدان المختلفة. ويستهدف الصندوق منع وقوع الأزمات في النظام عن طريق تشجيع البلدان المختلفة على اعتماد سياسات اقتصادية سليمة، كما أنه - كما يتضح من اسمه - صندوق يمكن أن يستفيد من موارده الأعضاء الذين يحتاجون إلى التمويل المؤقت لمعالجة ما يتعرضون له من مشكلات في ميزان المدفوعات. تتضمن الأهداف القانونية لصندوق النقد الدولي تيسير اعمال التوسع والنمو المتوازن في التجارة الدولية، وتحقيق استقرار أسعار الصرف، وتجنب التخفيض التنافسي لقيم العملات، وإجراء تصحيح منظم لاختلالات موازين المدفوعات التي تتعرض لها البلدان. ولتحقيق هذه الأهداف، يقوم الصندوق بما يلي:
- مراقبة التطورات والسياسات الاقتصادية والمالية في البلدان الأعضاء وعلى المستوى العالمي، وتقديم المشورة بشأن السياسات لأعضائه استناداً إلى الخبرة التي اكتسبها مند تأسيسه.
- إقراض البلدان الأعضاء التي تمر بمشكلات في موازين مدفوعاتها، ليس فقط لإمدادها بالتمويل المؤقت وإنما أيضاً لدعم سياسات التصحيح والإصلاح الرامية إلى حل مشكلاتها الأساسية.
- تقديم المساعدة الفنية والتدريب في مجالات خبرة الصندوق إلى حكومات البلدان الأعضاء وبنوكها المركزية.
مجال اختصاص الصندوق
يهتم صندوق النقد الدولي في إشرافه على السياسات الاقتصادية للبلدان الأعضاء بأداء الاقتصاد ككل - وهو ما يشار إليه في الغالب بأداء الاقتصاد الكلي. ويشمل هذا الأداء الإنفاق الكلي (وعناصره الأساسية مثل الإنفاق الاستهلاكي واستثمارات الأعمال) والناتج وتوظيف العمالة و التضخم، وكذلك ميزان المدفوعات في البلد المعني - أي ميزان معاملاته مع بقية العالم. ويركز الصندوق أساساً على السياسات الاقتصادية الكلية للبلدان - أي السياسات المتعلقة بميزان الحكومة، وإدارة النقد والائتمان وسعر الصرف - وسياسات القطاع المالي بما في ذلك تنظيم البنوك والمؤسسات المالية الأخرى والرقابة عليها، وإضافة إلى ذلك يوجه صندوق النقد الدولي اهتماماً كافياً للسياسات الهيكلية التي تؤثر على أداء الاقتصاد الكلي - بما في ذلك سياسات سوق العمل التي تؤثر على سلوك التوظيف والأجور، ويقدم الصندوق المشورة لكل بلد عضو حول كيفية تحسين سياسته في هذه المجالات، بما يتيح مزيداً من الفاعلية في السعي لبلوغ أهداف مثل ارتفاع معدل توظيف العمالة، وانخفاض التضخم، وتحقيق النمو الاقتصادي القابل للاستمرار - أي النمو الذي يمكن أن يستمر بغير أن يؤدي إلى مصاعب كالتضخم ومشكلات ميزان المدفوعات.
أهداف الصندوق
تتمثل أهداف صندوق النقد الدولي في ما يلي:
1. تشجيع التعاون الدولي في الميدان النقدي بواسطة هيئة دائمة تهيئ سبل التشاور والتآزر في ما يتعلق بالمشكلات النقدية الدولية.
2. تيسير التوسع والنمو المتوازن في التجارة الدولية، وبالتالي الإسهام في تحقيق مستويات مرتفعة من العمالة والدخل الحقيقي والمحافظة عليها، وفي تنمية الموارد الإنتاجية لجميع البلدان الأعضاء، على أن يكون ذلك من الأهداف الأساسية لسياستها الاقتصادية.
3. العمل على تحقيق الاستقرار في أسعار الصرف والمحافظة على ترتيبات صرف منتظمة بين البلدان الأعضاء، وتجنب التخفيض التنافسي في قيم العملات.
4. المساعدة على إقامة نظام مدفوعات متعدد الأطراف في ما يتعلق بالمعاملات الجارية بين البلدان الأعضاء، وعلى إلغاء القيود المفروضة على عمليات الصرف المعرقلة لنمو التجارة العالمية.
5. تدعيم الثقة لدى البلدان الأعضاء، متيحاً لها استخدام موارده العامة مؤقتاً بضمانات كافية، كي تتمكن من تصحيح الاختلالات في موازين مدفوعاتها دون اللجوء إلى إجراءات مضرة بالرخاء الوطني أو الدولي.
6. محاولة تجنب الوقوع في الأزمات والكوارث مثل أزمة دول جنوب شرق آسيا وأزمة الكساد الكبير سنة 1929 والناتجة عن زيادة حجم الإنتاج دون القدرة على تصريفه ، الأمر الذي أدى إلى زيادة حجم البطالة بصورة تفوق الخيال.
7. يهدف الصندوق ايضا إلى تجنب اتباع سياسة افقار الجار والتي تتبع من قبل بعض الدول بأن تعمل على خفض وارداتها بدرجة كبيرة والتي ما هي الا صادرات الدول الاخرى ومن ثم تضر بمصالح هذه الدول بصورة مباشرة.
8. تصحيح الاختلالات في موازين المدفوعات دون اللجوء إلى اجراءات مضرة بالرخاء الوطني أو الدولي فالصندوق يمثل بنكاً يقوم ببيع عملات أحد الاعضاء لعضو أخر مقابل الذهب او العملات الوطنية بهدف مواجهة الاختلالات الطارئة في ميزان المدفوعات ؛ مقيداً عموماً بان لا يتجاوز ما يسحبه العضو في السنة عن 25% من حصته ويلتزم العضو بإعادة شراء عملته في فترة ثلاث إلى خمس سنوات .
صانع القرار في الصندوق
صندوق النقد الدولي مسؤول أمام بلدانه الأعضاء، وهي مسؤولية تمثل عنصراً لازماً لتحقيق فعاليته. ويتولى القيام بأعمال الصندوق اليومية مجلس تنفيذي يمثل البلدان الأعضاء ، وهيئة موظفين دوليين يقودهم المدير العام وثلاثة نواب للمدير العام – علماً بأن كل عضو في فريق الإدارة يتم اختياره من منطقة مختلفة من العالم. وتأتي الصلاحيات المفوضة للمجلس التنفيذي في تسيير أعمال الصندوق من مجلس المحافظين، صاحب السلطة الإشرافية العليا. ومجلس المحافظين، الذي يضم ممثلين لكل البلدان الأعضاء، هو صاحب السلطة العليا في إدارة صندوق النقد الدولي، وهو يجتمع في العادة مرة واحدة سنوياً خلال الاجتماعات السنوية لصندوق النقد الدولي ويقوم كل بلد عضو بتعيين محافظ – عادة ما يكون هو وزير المالية أو محافظ البنك المركزي في ذلك البلد – ومحافظ مناوب. ويبت مجلس المحافظين في قضايا السياسات الكبرى، ولكنه فوض المجلس التنفيذي في اتخاذ القرارات المتعلقة بأعمال الصندوق اليومية. ويجري النظر في قضايا السياسات الأساسية المتعلقة بالنظام النقدي الدولي مرتين سنوياً في إطار لجنة من المحافظين يطلق عليها اسم اللجنة الدولية للشؤون النقدية والمالية، (وهي التي كانت تعرف باسم اللجنة المؤقتة حتى سبتمبر 1999). أما لجنة التنمية ، وهي لجنة مشتركة بين مجلس محافظي صندوق النقد الدولي و البنك الدولي، فهي تقدم المشورة إلى المحافظين وترفع إليهم تقاريرها حول سياسات التنمية والمسائل الأخرى التي تهم البلدان النامية.
الموارد المالية للصندوق
المصدر الرئيسي لموارد صندوق النقد الدولي هو اشتراكات الحصص (أو رأس المال) التي تسددها البلدان عند الانضمام إلى عضوية الصندوق أو في أعقاب المراجعات الدورية التي تزاد فيها الحصص. وتدفع البلدان 25% من اشتراكات حصصها بحقوق السحب الخاصة أو بإحدى العملات الرئيسية، مثل دولار الولايات المتحدة أو الين الياباني. ويمكن للصندوق أن يطلب إتاحة المبلغ المتبقي، الذي يدفعه البلد العضو بعملته الوطنية، لأغراض الإقراض حسب الحاجة. وتحدد الحصص ليس فقط مدفوعات الاشتراك المطلوبة من البلد العضو، وإنما أيضاً عدد أصواته وحجم التمويل المتاح له من الصندوق ونصيبه من مخصصات حقوق السحب الخاصة. والهدف من الحصص عموماً هو أن تكون بمثابة مرآة لحجم البلد العضو النسبي في الاقتصاد العالمي، فكلما ازداد حجم اقتصاد العضو من حيث الناتج وازداد اتساع تجارته وتنوعها، ازدادت بالمثل حصته في الصندوق. والولايات المتحدة الأمريكية،التي لها أكبر اقتصاد في العالم، تسهم بالنصيب الأكبر في صندوق النقد الدولي حيث تبلغ حصتها 17.6% من إجمالي الحصص. أما سيشيل، أصغر اقتصاد في العالم، فتسهم بحصة مقدارها 0.004%. (1)
صندوق النقد الدولي وبرامج التثبيت والتكيف الهيكلي
أعطى انهيار المعسكر الشيوعي وتفكك الاتحاد السوفيتي الفرصة المثالية لصندوق النقد الدولي لفرض سياسته على البلدان النامية ، التي أطلق عليها ( برامج التثبيت والتكيف الهيكلي ) . من خلال شن هجوم على سياسة توسيع دور القطاع العام في الأقتصاد الوطني واعتماد اسلوب التخطيط الشامل في ادارة العملية الاقتصادية وتوفير الحد المعقول من الضمانات للعاملين ، كالضمان الاجتماعي وتحسين الاجور والرعاية الصحية وغيرها من المكاسب. وبذلك أصبحت الدول النامية ومن ضمنها العراق بحاجة الى قوى تدعمها لمواجهة ضغوط الدول الرأسمالية الهادفة الى فرض نظام جائر لتقسيم العمل الدولي ، وعد الدول النامية مصدراً للمواد الاولية وسوقاً لتصريف منتجاتها المختلفة فقط ، من دون اعطاء الفرصة لها للنهوض بواقع اقتصاداتها وضمان تطورها ، حيث تدعو برامج التثبيت والتكيف الهيكلي الى رفض تدخل الدولة في العملية الاقتصادية ، وفسح المجال كاملاً للقطاع الخاص لأخذ دوره في الانتاج والتسويق بحجة ان ذلك يؤدي الى القضاء على البطالة والتضخم عبر أعطاء الحافز الاقتصادي دوره لتحقيق المنافسة المطلوبة المؤدية الى تخفيض الاسعار وتحسين نوعية الانتاج .
أن الأخذ بنصيحة صندوق النقد الدولي في ظل هذا البرنامج يعني تحرير الاسعار واعتماد أقتصاد السوق ، وتقليل الأنفاق الحكومي ، وعدم أيفاء الدولة بتعهداتها حول توفير فرص العمل للمواطنين ضمن مؤسساتها ودوائرها وغيرها من الاجراءات ، والوصفات التي يقدمها صندوق النقد الدولي لتعميم المفاهيم الرأسمالية على جميع دول العالم ، وربط تلك الدول بروابط التبعية الاقتصادية على وفق أسس التحكم الشامل بها ومنعها من اعتماد الخطط الاقتصادية الوطنية الملائمة للتطبيق والمنسجمة مع الظروف الذاتية والموضوعية التي يعيشها البلد .
ومن أخطر وصفات صندوق النقد الدولي هو دعوته الى تحويل الملكية العامة الى ملكية خاصة ، وهو ما اصطلح على تسميته ب( الخصخصة ) مستغلاً المشاكل التي تعاني منها تلك الدول وحاجتها الى المساعدات المالية لسد العجز في ميزان مدفوعاتها ومعالجة حالة المديونية وجدولتها .
ويتم ذلك من خلال قيام الدول ببيع عدد من مشاريعها الانتاجية والخدمية التي يتمكن القطاع الخاص من أدارتها . الا ان هذا الامر يحرم المواطنين من هذه الخدمات والمنتجات المدعومة من الدولة ، اضافة الى تشريد الالاف من العمال من فرص عملهم .
كما يدعو الصندوق الى تخفيض الضرائب على الارباح بحجة زيادة الحافز على الاستثمار مقابل قيام اصحاب رؤوس الاموال بتكديس الثروة وزيادة دورها في التحكم بالاقتصاد الوطني واحياناً كثيرة يؤدي هذا الامر دوراً تخريبياً له انعكاساته السلبية على سياسة ومصير البلد ، عن طريق ممارسة الضغوط على القيادات السياسية والتحكم بها ، اضافة الى ذلك فأن برامج التثبيت والتكيف الهيكلي تدعو الى تخفيض الانفاق الحكومي ورفع الدعم عن السلع الاساسية التي يحتاج اليها المواطن ، لا بل زيادة اسعار بعض منها لتلاؤم اسعارها في الاسواق العالمية . وكذلك تدعو الى أعادة النظر في طريقة وقيمة صرف العملة الوطنية وتحرير ذلك لتركها عرضة للارتفاع والانخفاض حسب ما يتطلبه اقتصاد السوق .
أن تعميم المفاهيم التخريبية لاقتصاد السوق وفقاً لما جاء في توصيات وشروط صندوق النقد الدولي وبرامجه ، لابد أن يؤدي الى زيادة وتائر التضخم وزيادة آثاره السلبية على الاقتصاد الوطني . وولادة طبقة جديدة من الاثرياء واصحاب رؤوس الاموال والجشعين الذين سيتعاظم دورهم الاقتصادي التخريبي بعد ان يفقدوا حسهم الوطني ليمارسوا سياسة ضارة بالاقتصاد .
اضافة الى ذلك فأن لتدفق رؤوس الاموال الى البلدان النامية بصيغة قروض مخاطره الكبيرة على اقتصادات تلك البلدان ففي دراسة لصندوق النقد الدولي والتي شملت ست دول هي مصر واسبانيا والمكسيك وتشيلي وكولومبيا ، توصلت هذه الدراسة الى انه ( بقدر ما تكون الزيادة في تدفق رؤوس الاموال تحقق الاستقرار المالي والاقتصادي ، فأنها تكون عاملاً في زعزعة الاستقرار الاقتصادي ) . لان من مخاطر هذه الاستثمارات المالية والتي تمتاز بالفخامة وسرعة الحركة دخولاً أو خروجاً . وان خروجها بشكل مفاجيء من الاسواق لأي سبب من الاسباب . قد يؤدي الى حدوث أزمة شاملة كما حدث في المكسيك نهاية عام 1994 . (2)
الاقتصاد العراقي في ظل شروط صندوق النقد الدولي
هناك تقارير نشرت في بعض الصحف المحلية اشارت الى ان حكومة رئيس الوزاراء العراقي السابق ابراهيم الجعفري اتفقت مع صندوق النقد الدولي على خفض مواد الحصة التموينية في موازنة عام 2006 واتباع سياسية تقشفية وان الحكومة التزمت برفع اسعار المشتقاة النفطية تدريجياً وبشكل مستمر وقد اكد السيد وزير المالية أن موازنة عام 2006التي تتضمن السياسة المالية للدولة سوف تبقي على البطاقة التموينية لانها ضرورية لابناء الشعب. الذي استجد هو ان موازنة 2005 قد خصصت مبلغا كبيراً قدره 6 ترليون دينار لمواجهة الطوراىء الا ان الحاجة الحقيقية الى توفير جميع مستلزمات مواد البطاقة التموينية هي بحدود 4.5ترليون دينار ، وعليه فقد اعتمدت موازنة 2006 هذا التخصيص . وتنوي الحكومة الى ضمان استمرار التوزيع الشهري لسلة السلع المقدمة ضمن أطار نظام التوزيع العام . كما ستبدأ الحكومة باصلاح ادارة هذا النظام عن طريق رفع مستوى الرقابة عليها وتحسين اجراءات التعاقد والتصريف . كما تدرس الحكومة امكانية استبدالها بنظام الدفع النقدي ( وبشكل اختياري ) ، وبموجب ذلك ليس هناك تخفيض محتمل على السلع الاساسية لمواد البطاقة التموينية دون مقابل للطبقة الفقيرة . واكد عدم التزام العراق بأي تعهد سري على رفع اسعار المشتقات النفطية دون دراسة اثارها والحالة الاقتصادية التي يمر بها العراق لهذا ستقوم الحكومة بمراجعة اسعار المشتقات النفطية بشكل مستمر على ضوء الاسعار العالمية ومستوى الخدمات التي يحتاجها المواطن وضرورة الحد من ظاهرة التهريب. ويجب ان يكون واضحا انه ليس من المنطق ان تستمر موازنة الدولة في صرف 500 مليون دولار على استيراد المشتقات النفطية دون مراعاة العجز في موازنة الدولة ومستوى الخدمات التي يحتاجها المجتمع . فمنفعة الفرد لاتتحقق في اصراره على الانفاق برغم العجز في موازنته الشهرية وبغض النظر عن ارتفاع الاسعار ومن البديهي عندما يواجه الفرد زيادة بكلفة شراء سلعة ما يبحث عن بديل لها او يقلل من شرائها مستعيضا بغيرها . (3)
وفي مقابل تخفيض مفردات الحصة التموينية ورفع اسعار المشتقات النفطية اعلن البنك المركزي العراقي، ، ان صندوق النقد الدولي قرر شطب بعض من الديون العراقية الخارجية ليصل اجمالي الديون المشطوبة الى 80%.
وقال بيان صدر عن البنك ان المجلس التنفيذي لصندوق النقد الدولي قد اعترف بنجاح برنامج العراق الاقتصادي في ضوء نتائج المراجعة النهائية لاتفاقية الترتيبات المساندة الموقعة بين العراق وصندوق النقد الدولي، مما سيرتب شطب بقية متعلقات المديوينة الخارجية على العراق لتصل نسبة اجمالي الديون المشطوبة على العراق الى 80%.
واضاف البيان ان البنك المركزي يعبر عن ارتياحه الشديد لشطب اعباء المديونية الخارجية التي تزيد على 100 مليار دولار، في ضوء نجاح برنامج البلاد الاقتصادي الذي اعتمدته السياستين النقدية والمالية وعموم السياسة الاقتصادية خلال السنوات الماضية ، قام نادي باريس بخفض ما نسبته 60% من مديونية العراق الخارجية وفق اتفاقية المساندة الاولى(SPA) التي انتهت في كانون الأول من عام 2007، وكان مقررا ان تنتهي الاتفاقية الثانية في نهاية كانون الأول من عام2008، واشترط اتباع العراق سياسات نقدية صارمة لتخفيض 20% اخرى من المديونية الخارجية، ليكون الاجمالي 80% من الديون المشطوبة.وكان وزير المالية باقر جبر الزبيدي قد اكد ان مدير عام صندوق النقدي الدولي ابلغه ان الصندوق سيسلم نادي باريس تقريرا لحذف ديون العراق الخارجية المتبقية عليه والتي تمثل 20% (4).
اتفاقية العراق مع صندوق النقد الدولي:
منذ الايام الاولى شرعت الحكومة المؤقتة السابقة برسم معالم الاستراتيجية الاقتصادية "إستراتيجية التنمية الاقتصادية" ومن ابرز ملامح هذه الإستراتيجية: معالجة الهدر في موارد الدولة (المصاحب لسياسات الدعم الحكومي المتمثلة بالبطاقة التموينية ودعم اسعار المشتقات النفطية)، كما تبنت الإستراتيجية الجديدة سياسة الدعم النقدي الموجه نحو الطبقة الفقيرة، وتقليل تدخل الدولة في النشاط الاقتصادي (قدر الامكان).
وبسب تطابق هذه الإستراتيجية مع نهج صندوق النقد الدولي ورغبة الحكومة العراقية في معالجة الديون، تمت مفاتحة الحكومة المؤقتة لادارة صندوق النقد الدولي بقصد عقد اتفاقيات من شأنها تخفيف الديون الجاثمة على صدر الاقتصاد العراقي والبالغة باقل تقدير (120) مليار دولار.
في أطار هذه الجهود و السعي لبناء التعامل الايجابي مع المؤسسات المالية الدولية ومنها صندوق النقد الدولي و البنك الدولي إضافة الى مؤسسات الامم المتحدة، جرت محادثات بين العراق من جهة وادارة صندوق النقد الدولي ونادي باريس من جهة اخرى. وكانت المحادثات تهدف الى إعفاء بعض من الديون العراقية. ويتلخص الاتفاق (الذي عقد في21 تشرين الثاني 2004) مع نادي باريس بان تقوم الدول المؤلفة للنادي بخفض ديونها مع العراق بمقدار 80% بشرط ان يقوم العراق باصلاح اقتصاده باتجاه رفع كفاءة الاداء وتقليل التبذير وحصوله على ثقة المجتمع الدولي ومن خلال تبني ستراتيجية تنسجم مع تطلعات العراق الجديد.
برنامج المساعدة الضروري بعد النزاعات (EPCA Emergency Post Conflict Assistance programme)
في 29 من ايلول عام 2004 وقع العراق الاتفاقية الاولى مع صندوق النقد والتي تتلخص بنودها الرئيسية بمايلي:
1-اصلاح مالي وادارة جيدة للمصروفات.
2- اصلاح سياسة الدعم الحكومي متمثلا بالبطاقة التموينية واسعار المشتقات النفطية.
3- تقليل تدخل الدولة في ادارة المشاريع الاقتصادية وخصخصة ما امكن منها وتشجيع الصناعات الصغيرة والمتوسطة.
4- البدء بتقديم الدعم النقدي للعوائل الفقيرة.
والحقيقة ان هذه البنود هي نفسها التي تبنتها "إستراتيجية التنمية الاقتصادية" الا ان الإيفاء بها منح العراق فرصة معالجة ديونه مع دول نادي باريس بمقدار 80%. وفتحت الافاق نحو تخفيض ديون اخرى لحكومات ودول خارج نادي باريس ومن ضمنها الديون التجارية. وخلال عام 2005 بذلت جهود حثيثة في تخفيض ديون العراق وتكللت تلك الجهود بما يلي:
لقد حققت الحكومة العراقية نجاحاً ملحوظاً في ادارتها للدين الخارجي مع دول نادي باريس، كما سعت الى حل قضايا كل من دائني القطاع الخاص الاجنبي والدائنين الحكوميين خارج مجموعة نادي باريس (والذي يصل دين كل منهم الى ما يقارب 20 مليار دولار) سيراً منها في ذلك على خطى الاتفاق مع نادي باريس.
وعملت على خفض ديون كبار الدائنين من القطاع الخاص الاجنبي (الذين تصل مطالبهم باكثرمن 35 مليون دولار) من خلال اصدار سندات محددة مع امكانية اصدار قرض يستخدم في تسديد هذه المطالبات ضمن اطار الشروط المنصوص عليها في الاتفاق مع نادي باريس، وعليه ستحظى السندات بقيمة اسمية تقدر بـ 20% من قيمة الديون الكلية وبفائدة ثابتة (5.8%) سنوياً ولفترة زمنية مقدارها 20 سنة، اما صغار الدائنين من القطاع الخاص الاجنبي (الذين تصل مجمل مطالباتهم الى اقل من 35 مليون دولار) فيقدم لهم عرض نقدي يبلغ 10.25% من القيمة الاجمالية للطلب الخاضع للتسوية.
اتفاقية التدبير الاحتياطي SBA
كان على العراق الالتزام بتطبيق بنود اتفاقية EPCA، الا ان الظروف التي مر بها العراق لم تساعد في تحقيقها جميعا، غير ان الحكومة (الانتقالية) نجحت بعد مفاوضات طويلة الى اقناع صندوق النقد الدولي باستمرار الالتزام بها باعتبارها جزءا اساسيا من إستراتيجية العراق المستقبلية، ووفق الفريق المفاوض بقيادة وزير المالية ومحافظ البنك المركزي بابرام اتفاقية ثانية "SBA "، أي "اتفاقية التدبير الاحتياطي" في 23 كانون الاول 2005، ووافق المجلس التنفيذي لصندوق النقد الدولي على الاتفاقية مع العراق على مدى 15 شهراً.
وكانت النتيجة الفورية الغاء 30% اخرى من الدين العراقي لصالح اعضاء نادي باريس والتي تقدربمبلغ 12 مليار دولار اميركي . وفي كانون الاول 2008 تم الغاء 20% (النسبة الاخيرة من الدين العراقي لصالح اعضاء نادي باريس) بعد ايفاء العراق لشروط اتفاقية التدبير الاحتياطي .
وقد تضمنت الرسالة المقدمة في 6 كانون الاول، 2005 والموجهة من الدكتور سنان الشبيبي (محافظ البنك المركزي العراقي) والسيد علي علاوي (وزير المالية العراقي السابق) الى المدير التنفيذي لصندوق النقد الدولي السيد دي راتو مايلي:
1- بالرغم من الصعوبات استطعنا خلال 2004-2005 تفعيل سياستنا الاقتصادية والتي دعمها صندوق النقد الدولي عبر برنامج المساعدة الطارئة لمرحلة ما بعد الحرب واسفرت عن نتائج ايجابية: اذ اظهرت التقديرات ان الناتج المحلي ارتفع بنسبة 50% في العام 2004، ( كنتيجة لتحسن اداء القطاع النفطي). ورغم ارتفاع نسبة التضخم في اواخر عام 2004 واوائل عام 2005، والناجمة اساسا من النقص في عدد من السلع الاساسية بسبب الاوضاع الامنية، عادت واستقرت الاسعار الاستهلاكية في الاشهر الاخيرة، يضاف الى ذلك، بقاء سعر صرف العملة المحلية ثابتا منذ شهر ايار 2004، كما زاد احتياطي العملات الاجنبية بشكل كبير حيث بلغ في نهاية شهر ايلول 2005 نحو 8.5 مليار دولار اميركي وهو رقم يتجاوز طموح السقف المحدد في برنامج المساعدة الطارئة لمرحلة ما بعد الحرب وهو 4.8 مليار دولار للفترة نفسها. ولكن وبالرغم من اننا حققنا نجاحا كبيرا في الحفاظ على استقرار الوضع الاقتصادي الكلي، الا ان التقدم في مجال الاصلاح البنيوي والهيكلي كان محدودا بسبب المشكلات الامنية.
2- وفي ما يخص اجراء الانتخابات الدستورية، نعتقد أنه من المهم انشاء هيكلية إستراتيجية اقتصادية في العراق للفترة المتبقية من العام 2005 وللعام 2006، إن الهدف الاساسي لاستراتيجيتنا يتمثل بالحفاظ على الاستقرار الاقتصادي، وفي الوقت نفسه زيادة جهودنا في اطار دفع التحول الاقتصادي للعراق باتجاه اقتصاد السوق وانشاء اساس لنمو مستدام على المدى المتوسط.
وفي مقابل ذلك قال مسؤول في صندوق النقد الدولي انه ليس في وسع وكالة رقابة تابعة للامم المتحدة تحديد ما اذا كانت كل اموال النفط العراقي تستخدم بشكل ملائم ولكن تم احراز تقدم كبير لتحسين الشفافية، وقال بيرت كيوبنس وهو واحد من مسؤولين اثنين من صندوق النقد الدولي في هيئة الامم المتحدة الدولية للرقابة والاستشارة ان اكثر من 100 مليار دولار تدفقت على صندوق لنفط العراق منذ انشائه في عام 2003، واضاف كيوبنس لنشرة استطلاع لصندوق النقد الدولي ان "هدفنا هو ان نكون قادرين على تقرير ان كل عائدات النفط تستخدم لصالح الشعب العراقي، وبسبب عيوب كثيرة في بلد تمزقه الحرب لم تستطع هيئة الامم المتحدة الدولية للرقابة والاستشارة ان تعلن من جانب واحد ان كل عائدات النفط استخدمت لصالح الشعب العراقي.(5)
الى ذلك قال برهم صالح نائب رئيس الوزراء واحد اهم المسؤولين عن الملف الاقتصادي : ( ان صندوق النقد الدولي راضٍ تماماً عن الخطوات التي قام بها العراق ، في سبيل " الاصلاحات الاقتصادية. وان صندوق النقد الدولي والبنك الدولي ، يقومان بتقديم هذه ( المساعدات ) ، ليس الى العراق فقط ، بل الى معظم دول العالم ، بشروط ، منها : تصفية ما تبقى من القطاع العام ،و رفع الدعم عن المواد الغذائية ، وفي حالة العراق ، إلغاء البطاقة التموينية ،و تقليل التخصيصات المالية في الموازنة العامة ، لقطاعي الصحة والتعليم ، الى الحد الادنى ،و رفع الدعم عن المشتقات النفطية والوقود ، وعن الكهرباء والماء . وعدم زيادة رواتب واجور الموظفين والمستخدمين في القطاع الحكومي).
هذه هي اهم مطالب صندوق النقد الدولي ، من اجل الموافقة على اي قرضٍ تُقدمهُ ! وكلها تَصُبُ في مصلحة الإحتكارات المالية الكبرى العابرة للقارات ، وفيها " كسر ظَهِر " لمعظم فئات المجتمع .
وهناك سؤال بسيط هو : ما هي " الحِكمة "من وراء طلب القروض من صندوق النقد الدولي ، في حين تمتلك الدولة اكثر من ثلاثين مليار دولار فائض ؟! لتأخذ قرضاً ب " 471 " مليون دولار ، ثم تعيدهُ قبل موعد الإستحقاق بسنة ، وبعد ذلك تجري مفاوضات من اجل الحصول على قرض ب " 744 " مليون دولار ، وهي لا تستطيع صرف المليارات الفائضة لديها؟!
ان قرض صندوق النقد الدولي البالغ ( 744 ) مليون دولار ، لا يشكل سوى ( 1 % ) تقريباً من ميزانية 2009 المُعّدلة ، اي من ( 67 ) مليار دولار . وكما هو واضح فأن هذا القرض لن يؤثر إيجاباً على " دعم البرنامج الاقتصادي العراقي خلال الفترة المقبلة " ، لانه ببساطة لا يُقابل سوى نسبة بسيطة جداً من ميزانية الدولة . فهل " يستأهل " ذلك الدين ، كل هذه الشروط والضغوط من صندوق النقد الدولي والبنك الدولي ؟(6)
دور الولايات المتحدة الاميركية في توجيه سياسة الصندوق
تهدف الولايات المتحدة من وراء سياستها لدعم تعامل العراق مع صندوق النقد الدولي الى اعادة تكوين العراق بالشكل الذي يناسب الاحتكارات الاقتصادية الأميركية الكبرى والتي كانت في واقع الأمر وراء دخول العراق لتحقيق مصالحها الحيوية المعبر عنها بالحصول على أكبر قدر من الأرباح ولا سيما عن طريق زيادة انتاج النفط لصالح هذه الاحتكارات وبذلك يمكننا القول إن الحرب قد بدأت ولكنها من نوع آخر إنها حرب اقتصادية تدميرية للعراق ومصادرة مستقبله ومستقبل أبنائه . وسياسة صندوق النقد الدولية تقوم على شروط واضحة أهمها أن تكون أبواب العراق مشرعة أمام الدول الصناعية الكبرى خدمة لمصالح الدول التي اشتركت مع الولايات المتحدة في الحرب .
وبالتالي بدأ يلوح في الأفق تحول العراق الى مستعمرة اقتصادية أميركية فاقدة لأي امكانيات تسمح لها بالاستقلال والسيادة وحتى لو انسحبت القوات الأميركية من شوارع ومدن العراق الملتهبة.
لذلك فان تدخل صندوق النقد الدولي في الاقتصاد العراقي يعني في جوهره ربط العراق من الناحية المالية والاقتصادية بسياسة هذا الصندوق ، تحويل الاقتصاد العراقي الى منطقة لاملاءات وتحكم السيطرة الاقتصادية الجديدة دون التخلي عن التواجد العسكري مادام يخدم الأول. فالديون الجديدة هي مقدمة للسيطرة على مستقبل العراق الاقتصادي ، وهي شكل لممارسة الضغوط على العراق الى جانب الضغط العسكري،وهذا ما يشكل الهدف الرئيسي لإدارة الرئيس الاميركي السابق ( جورج بوش ) .
وبهذا الاطار فقد وقعت اتفاقية بين العراق وصندوق النقد الدولي، واذا ما ترجمنا هذه الاتفاقية الى الواقع فإن العراق سيصبح قريباً مفتوحاً أمام التجارة الحرة ، وسيتمكن بالتالي هذا الصندوق من فرض شروطه المجحفة على العراق والضغط عليه تحت ذريعة استرداد ديونه ، في وقت لايزال فيه العراق محكوماً من قبل القوات الأميركية.وبهذه الطريقة ستتمكن الولايات المتحدة ،ليس فقط من استرداد ما انفقته على غزوها للعراق بل البدء بتحقيق الأرباح التي حلمت بها بعد السقوط ، ولهذا فقد بدأ الترويج لأحاديث حول ضرورة ضخ المزيد من النفط بما يعادل أكثر من مليون برميل في اليوم لصالح الاحتكارات النفطية الأميركية ،وهذا هو جوهر مخططات صندوق النقد الدولي في العراق. ففي بيان صادر عن صندوق النقد الدولي جاء فيه حرفياً:(إن الحكومة العراقية تخطط لرفع معدل ضخ المزيد من النفط وفق خطتها الاقتصادية الجديدة وحسب رغبات وتعليمات صندوق النقد الدولي ،وذلك من أجل وضع الاقتصاد العراقي في مساره الصحيح).
وبكلمات أخرى جعل النفط العراقي عرضة لمستوى أعلى من النهب وكسب الأرباح الكبيرة ، وبطبيعة الحال لا يتحدث بيان صندوق النقد الدولي عن الديمقراطية في العراق، بل ولا يسعى لذلك لأن مستثمريه الأغنياء لا يهمهم هذا الأمر كثيراً,لأن مستوى الديمقراطية التي يبحثون عنها هو ذلك الذي يحقق لهم المجال لمزيد من الاستثمار والربح والنهب، وببساطة شديدة يصبح العراق حقلاً آخر لطموحات الهيمنة للمؤسسات المالية الدولية .
ومن المعروف أنه لايوجد ولا يمكن أن يوجد بلد خاضع لشروط واملاءات صندوق النقد الدولي حرا وديمقراطيا ومستقلا بل سيكون تحت رحمة حزمة الاحتكارات الرأسمالية الكبرى.
فالسوق في ظل شروط صندوق النقد الدولي ، يخترق وينتهك بشكل عاصف الديمقراطية بوصفه يعمل لمصالح أنانية فقط ،بينما لا يستطيع العراقيون تحقيق أية مصلحة لهم في الواقع.
وهكذا فان السيطرة على العراق ستستمر بعد انسحاب القوات العسكرية منه ولكنها من نوع آخر.(7)
الخاتمة
أن الخطوات التي يعمل صندوق النقد الدولي جاهداً لتطبيقها في البلدان التي تقع تحت رحمته هي تبدأ بالتشريع أي القوانين الاقتصادية التي يفرضها على البلد كما هو الحال في العراق اليوم. وهذا التشريع ينطلق من البرلمان والحكومة التي تعمل على وفق اجندة تلائم مطالب صندوق النقد الدولي والمؤسسات الرأسمالية الآخرى أي انها لابد وأن تكون خاضعة تماماً للرأسمالية العالمية كي تنفذ ما هو مطلوب منها لادخال البلد في المنظومة الرأسمالية بتخصيص قطاعات واسعة من اقتصاده وفتح المجال امام الشركات الاحتكارية لشراء هذه القطاعات .وكذلك فتح المجال امام البنوك الاجنبية لتنتشر في البلاد وتأخذ طريقها للسيطرة على قطاعات اخرى كالاسكان والبناء والاستثمار في المجال الزراعي . ولابد أن تكون هناك مجموعة من المتخصصين في هذا المجال تابعين للصندوق ، ويعملون مستشارين في مختلف الوزارات لضمان سير الامور بالشكل المطلوب ،لضمان نجاح عملية القضاء على دعم الاسعار وفرض ضرائب على التجارة وباقي القطاعات وايجاد مصادر اضافية للميزانية الحكومية كي تدعم الخدمات الاجتماعية الاخرى ، وهذه كلها تصب في خانة خدمة مصالح الشركات الاحتكارية .وترك الموارد الطبيعية لهذه الشركات كي تستفيد منها بشكل كامل ،ولا يخصص من ميزانيتها الا في المشاريع التي تسهل عمل الشركات كبناء شبكة عملاقة في الطرق والسكك الحديدية وبناء اسواق اخرى كي تقوم بتصريف منتجات الشركات الاخرى المتحالفة معها ، وكذلك خلق بنية تحتية تسهم في ادارة العملية بالشكل الذي يجعل البلد جزءاً لايتجزأ من المنظومة الرأسمالية . وهذا التوجه ليس سيئاً بشكل عام لأنه يعمل على تطوير بعض القطاعات الاقتصادية .وفي مقابل ذلك فأن الخطر يكمن في السيطرة على كل مفاصل الاقتصاد والحياة في العراق من قبل الشركات الاحتكارية والمؤسسات المالية الدولية ومنها صندوق النقد الدولي . وهذا يدخل البلد في نفق لن يتمكن من الخروج منه مالم يتحرر من هذه السيطرة وسياسة الأملاءات التي تضر بالاقتصاد العراقي ، وتبعده عن الاهتمام بالقطاعات الاقتصادية المهمة كالصناعة والزراعة والخدمات وترهن أمواله وثرواته وتفقده حرية التصرف بها .
المصادر
1- يوكيبيديا – الموسوعة الحرة .
2- جريدة الثورة – العدد / 8846 في 23/10/1995.
3- جريدة الصباح – في 29/2/2009.
4- بغداد – اصوات العراق في 28/12/2008.
5- موقع مصر للبترول 3/9/2008.
6- امين يونس – الحوار المتمدن – العدد/ 2456 في 5/11/2008.
7- جريدة الثورة – دمشق – سوريا في 4/2/2007.