إحسان وفيق السامرائي
( إن النحت أعظم ثماني مرات من أي فن من الفنون الجميلة لأن للتمثال ثماني زوايا يجب أن ينظر منها المتفرج إليه ، ويجب أن يكون التمثال كاملاً بنفس القدر من كل زاوية ينظر إليه منها واللوحة نوع من التمثال معروضة من زاوية واحدة فقط من الزوايا الثماني التي يجب أن ينظر منها إلى النحت لأن الفرق بين التصوير والنحت كبير كبر الفرق بين الشيء وظلّه . )
( توشلليني )
قبل أربعمائة سنة قارن الفنان ( بنيتو توشيلليني ) بين فن النحت والصورة حيث لم تكن السينما قد ظهرت ، و بتقدم العصر بدت المقارنات التي وضعها ( توشيلليني ) تتطابق وجمالية السينما فالنحت ينحو منحى السينما بحكم الزوايا التي تنظر منها السينما إلى الواقع وحيث لا يمكننا تجريد السينما من خواصها البصرية واللونية ولا شكلها بما احتوته من حوار و إيقاع وتصميم وحركة فهذه الظواهر مجتمعة قد جسدت للشكل الذي عليه النحت حركته التشكيلية . فالسينما التي أريد لها أن تكون شكلا ملحقاً بالمسرح تخطت تلك النظرة القاصرة عندما هيمنت عبر زواياها العديدة على مجمل الفنون التشكيلية فطوّعتها للغتها الخاصة وفعلت في الرواية وبشّرت بوجود فن جديد فرض مكانته وأسلوبه فصار من الصعب لها أن تكون فناً ملحقاً .
في العراق وعندما نضع في تحليلنا ظاهرة مثل – السينما في العراق – فإننا لا نصل إلى منتصف المسافة بين اللوحة والتمثال .
فهذا الارتداد لم يخلق اعتباطا بسبب الخطأ الذي حمله التمثال ذاته حين أريد له أن يتشكل لغاية رسمية واحدة بلا خواص ولا مقاسات ولا أرضية أو بيئة تمكّنه من احتضانه.
فالسينما في العراق لم تنشأ ضمن أصول جمالية أو فنية بل جاءت تلبية لحاجة وتقليد لما بدأته السينما العالمية وهو ما جعل منها سينما هجينة لا تملك أساسيات للبقاء بسبب محاولاتها لمواكبة تطورات العصر وتقليعاتها السنوية . وكان من الطبيعي أن تسقط في الوهم لعدم قدرتها على المشي أو تطويع خطواتها للمنظور الجديد وبالاعتماد على إمكاناتها المادية والفنية والفكرية وإلخ .. ونقطة التخبط والإجهاض بدأت باستسلامها إلى السينما – المصرية – التي حولت من السينما في العراق إلى لوحة إعلانات استبدل العاملون في السينما الطربوش بالسدارة والجلابية بالعباءة والكوفية والعقال فاختلط الفهم وتضاءلت الصورة ..
ومع أن حل العاملون في هذا المجال شباباً مخلصين إلا أن قصور الوعي والاحلام في الوصول إلى الهدف دون التطبيق ولأن السينما بالنسبة لهم عبارة عن استعراضات وقضايا محلية لم يصار فهمها ولا الفصل بين الحركة السينمائية والمسرحية حين تروى أو تعرض مما دفعها وسط منافسات عشوائية لأختيار نصوص هافتة وقصص مفتعلة صارت أجواؤها أرضيات الملاهي والمواخير المقرونة بالأسلوب الخطابي والمواعظ اختيرت لعدم وجود لغة سينمائية أو فهم فعلي للحوار ولعدم وجود كتّاب سيناريوهات قادرين على استخلاص ما يقع من مشاهد وأحداث كما وشكّل إطار الشعب العام حيطاناً رخوة بسبب تأثره بالميلودرامات القدرية والبكائيات والمفاجأات السعيدة فكانت بالنسبة للسينمائيين مفاتيح للحظ وعصا سحرية صارت آمالاً مشرقة ، فامتلأت الساحة العراقية بمسميات ومكاتب وشركات وموديلات ظهرت لتفرض بدعواتها اختيار الوجوه الصالحة وغير الصالحة استنفرت الشباب المراهق وراقصات الملاهي والغانيات كنجوم للسينما المرتقبة ..!! .
وبرغم المزالق والمنحنيات الاقتصادية وطبيعة الشعب المحافظة نجح البعض من عشاق السينما برهن بيوتهم أو التورط بقروض من أجل إنتاج أفلام سينمائية بوسائل وعدسات وكاميرات بدائية زاد من عقباتها غياب المونتاج وعدم وجود استوديوهات سينمائية أو ممثلين سينمائيين …!! ومع ذلك حاول بعض السينمائيين خلق الفلم العراقي وخلق ممثلين عراقيين وأبطالا على غرار ميرلاما ونجيب الريحاني وعلي الكسار وإسماعيل ياسين أو محمود الميليجي وفريد شوقي وفاطمه رشدي وليلى مراد ولكنهم فوجئوا بنوع من الحصار النفسي والمادي من قبل المسرحيين بتأثير الدعايات المضادة لكون السينما وسيلة انحلال لا تخدم الفن الإنساني كما أن غياب الممولين والاقتصاديين أدّى إلى تفكك تلك الرغائب وتهديمها وهي في مرحلة الحضانة . وظل التداعي يجر السينما المحلية إلى الانهيار بسبب غياب الفلم العراقي المعبّر ، كما ظلت الانهيارات متوالية ومؤثرة جراء غياب الرؤيا الحقيقية لآفاقها وعدم وجود نص إنساني هادف أو رؤيا سينمائية عراقية . إن من أكثر أسباب هذا التداعي غياب الفهم المميز لخواص الفلم الذي يريده المنتج والمشاهد ولأن السطحية التي ينظر فيها المخرجون إلى الأعمال قد ساعدت على خلق التباعد وعدم استقرار صورة محددة سواء ما كانت على مستوى الريف الذي ظلّ يغط بالإقطاع و التخلف وبين الرؤيا التي يريد فيها المثقفون أن يصلوا إلى تحقيق أهدافهم .
فغياب الوعي السياسي والاجتماعي والثقافي وعدم وجود فهم للواقع المحلي والعالمي قد ساعد على التخبط ولأن القوة الوحيدة التي كان يمكننا الاعتماد على منظوراتها والإحساس بتقاربها مع الفن كانت ممثلة بالجانب اليساري الماركسي ، فالشيوعيون العراقيون وهم جزء من الحركة العالمية برغم احتضانهم لهذا الجانب ظلوا قاصرين عن فهم معاناة الفنانين بسبب تزمتهم ضد كل ما لا يخدم شعاراتهم مما دفع بهذا الفن إلى الانفراط والتراجع أمام السلطة أو الشعب و أدى أيضا إلى عزلتهم واتهامهم من القوى الوطنية المضادة لهم بالانحلال .
فالشيوعيون الأكثر تحررا من القوى السياسية بسبب انتمائهم لم يحاولوا خلق صيغة وسطية أو إيجاد تبرير مقبول للفن إلا بما يطابق أفكارهم ويخدم مبادئهم من دون الخلاص من ربقة الارتباط السياسي البعيد عن فهم الشعب أو التخلص من الدعاية للاتحاد السوفيتي والمجموعة الشيوعية ..! وزادها القانون العراقي ( القديم ) برفضه قبول شهادة الفنان لأنه ليس من ( أصحاب المروءات ) ولم يكن حال الحركة القومية والدينية يختلف عن منظور الشعب العمومي في نظرته المتدنية التي ترى في الفنان تجسيدا لضارب الطبلة ( الدنبك جي ) ( وهو المنظور العراقي للفن ) المتواجد في الملاهي والمناطق الرخيصة ..!
فغياب سايكولوجيا تحليلية للفن والفنانين قد فرّط بكل ما تقدّم كما أن عدم وجود فكر متخصص أو نقاد عمليين أو وجود حد فاصل بين الفن والاحتراف قد ساعد على هذا الانفراط فتبعثرت إمكانيتها على احتوائه . وقد عومل الفن والفن السينمائي بالأساس على افتراض طبقي بأن لا قرابة بين الرذيلة والفضيلة ..!
وباعتبار الفن وجودا ناقصا فلا يمكن التآلف والالتحام معه … وقد فات المحللون أن يرصدوا ظاهرة عابرة فالسينما التي ظلت طبقات الشعب ترفضها تحولت إلى اقتناع عندهم حين كانت السينما الدعائية المتجولة تعرض في الهواء الطلق ، مشاهد تقابلها الجماهير بالتهليل والاعتزاز سواء ما كان منها يمثل الحروب أو البيئة أو الحالات الاجتماعية … وأدّى هذا التعاطف المفاجئ إلى خلق روابط وهمية بين الإنسان والسينما، تطور فيما بعد ليشكل نواة المعرفة … ولو كان المحللون العراقيون قد درسوا مقدما خواص تلك التجربة لاستطاعوا أن يجدوا لهم مرافئ تعينهم على الوصول إلى ما يريدون .. فالعراقي كائن يعيش ظاهرة العرف والتقاليد والتأثيرات القبلية والدينية فكان بحاجة ماسة إلى شرح تفصيلي غير مباشر إلا أن السينما في العراق لم تفكر باحتواء تلك الظواهر إنما تركتها سائبة وهو ما خلق عند الإنسان رغبة للتقليد الأعمى والبحث عن بطولة متفردة …وشجعه على الانحياز بسبب فقدانه للشخصية السينمائية المرتقبة …
وفي الوقت الذي ظهرت فيه السينما ظل السياسيون منشغلين بنظرياتهم وأحلامهم وفي إيحاء بعالم مثالي لم يستطع استيعاب حقيقة الجماهير حين ابتكروا صورا لفردوس منتظر لا وجود له …
ولأن هناك مائة طريقة يمكن بها معالجة أي موضوع أو منظر والانتقال من طريقة إلى أخرى إلا أن التخبط الذي ساد قد أدّى إلى التضحية بالتماثل والتحليل فاضطر المتفرج إلى الابتعاد بقوة من وجهة نظر إلى أخرى عدة مرات حتى فقد اندماجه في الموضوع وهذا هو الخطر الكامن في ممارسة حرب الهجوم على الموضوع .
إن الأزمة المستعصية عندنا وحتى الآن تتركز بعدم وجود فهم حقيقي لما يفكر فيه الإنسان العراقي ، جاء ذلك نتيجة التراكب والأخطاء والعاطفة التي أثرت على فقدان السيناريو التكاملي الذي يعالج الواقع بصورة طبيعية من دون اللجوء إلى الاصطناع والتزييف . وبرغم انحسار ما كان المثقفون يعتقدونه من وجود حواجز في مسألة الحرية … فإن مسألة الحرية أخذت أشكالا جديدة بسبب التناقضات في جوهر المجتمع وتخبطاته في الوصول إلى المعنى … وانعكس ذلك على القصة والرواية كما انعكس على المشاهد والممثل وعلى المخرج بالذات الذي ظل يتعلل بالظروف و يلوح بعصا السلطة سهلت له فرص شكلانيات إصلاحية و تمويهية كاذبة .ومازلنا حتى الآن ونحن لا نريد الاعتراف بوجود سينما عراقية فإن استمرارنا بالتعليل هو ما دفعنا إلى السقوط .. وعدم الاعتراف بوجود أي رابط بين ما يسمى بالسينما العربية أو العالمية وبين ما يسمى تجاوزاً بالسينما العراقية … ولأن وجود سينمائيين أو وجود ممثلين وكاميرات ليس هو بالفعل ما يدفعنا للاعتقاد بخلق سينما حقيقية ومثل هذا الوهم الذي ما زال بعض الكتاب يحاولون تمويهه أو الهرب من الجواب عليه هو الذي لم يجعل لنا من سينما لعدم وجود أرضيات يفرشون عليها إنتاجهم فنحن ومن سنوات طويلة لا نمتلك الجرأة على الاعتراف بالحقيقة أو نجد الجرأة لوضع اعتراف حقيقي بعدم وجود المخرج والممثل السينمائي خوفاً من إغضاب السلطة .. والتي أرادت في الفترات المتأخرة حين هيمنت السلطة على الإنتاج لاعتقادها بأن الحضارة الإعلامية ولصق المشاهد في غير أماكنها هو ما فرض عليها مثل هذه السطوة لأن السينما أصبحت بالنسبة للسلطة وجهاً آخر من وجوه سيادتها ولابد لها من التحفظ على الكتابات النقدية ومنعها من التداول . إلا أن المؤسسة العامة للسينما والمسرح صاحبة – القطاع العام - تجد في هذا الاستحواذ حقاً مشروعاً يحفظ لها ممارساتها وأخطاءها ويخلق لانتاجها هالة وظيفية روتينية . ومثل هذه الفرضية سارعت على موت السينما مثلما ماتت منذ ولادتها . وبذلك تساوى القطاعان العام والخاص في الموازنة بل أن القطاع العام فاق في تخريبه و إنتاجه المتدهور كل ما كان يعاب على السينما في العراق من بدائية …فبعد فلم ( فتنه وحسن ) إخراج حيدر العمر عام 1950 أول فلم عراقي غير مشترك يكون قد مضى ( خمسون عاماً ) من عمر السينما في العراق بما فيها من تدهور وأخطاء .. وحيث لا يمكن التغاضي عن الماضي القريب لحالة السينما والتي تفتقر إلى أبسط أساسيات الفن السينمائي وخاصة في المونتاج لأن السينمائيين العراقيين ظلوا يستعملون ( المافيولا ) اليدوية في توليف أفلامهم وهي صفة بدائية لا يمكن مقارنتها بأية حالة أخرى لأن المونتاج كان يأخذ صفة اللصق العشوائي من دون دراسة أو رؤية ، حتى اعتاد المتفرج على رؤية نصف وجه الممثل محشوراً على حائط أو منظر أو يرى تقاطعاً بين أرجل جمهرة من المتحدثين مع ذراع إمرأة ، أو رجل يتحدث مع نصف رجل ..! هذه المشاهد الرثّة لم تساعد في إجهاض التطلّع السينمائي فقط وإنما حطّت من قدرته فالمونتاج لم يأخذ أشكالاً بنائية علمية أو يرتبط بفكرة النص ، أما الملاحق الأخرى المتابعة لأصول الفلم السينمائي فهي لا تحمل أية مواصفات أو أسس تكميلية لأن كل منها اقحم دون معنى وحالها حال الموسيقى التصويرية الموضوعة كديكورات شكلية لسد الفراغات وكذلك شأن الديكور أو الأزياء بسبب عدم وجود المختصين بذلك لأنها لم تعمل لتكون مكملات للعمل الفني …وأدّى هوس السينما هذه وبصورتها التجميعية إلى إنتاج أعمال مفككة لا رابط لها في العمل ولا تناسق مع أفكارها .وحتى الافلام المشتركة التي أريد لها أن تتمتع بخواص مقبولة تخبطت في السقوط . فإن الافلام العراقية الباقية لم تتميز بغير سذاجة القصة والهبوط في المستوى الفني والحشو المفرط بالاغاني وأجوائها التي ظلت رهينة بالمواخير والحانات … إلا أن فلمين من هذه المجموعة تمايزا بقصتهما ومعالجاتهما الاجتماعية وجودة إنتاجهما أولها فلم ( من المسؤول ) وهو بناء شخصي اعتمد جهوداً عديدة للخروج بمستواه إلى ما يشابه الواقعية الا أنه سقط من جهة أخرى بالخيالية . أما فلم سعيد أفندي فلم تميّزه عن الافلام البقية الا المسحة السياسية التي حاولت أن ترفع من مستواه الفني ولم يكن ذلك متأتياً من محور القصة أو فكرتها إنما من الهيمنة السياسية التي رفدت ممثليه كما كان للدعاية السياسية الأثر الأكبر في تسويقه ونجاحه … فالجماهير رأت فيه انتاجاً عراقياً متميزاً ورأت في ممثليه الذين احاطتهم الانتماءات السياسية سر ذلك النجاح …! وقد دلّل ذلك الانحياز على مرحلته فقط حين استفاد الشيوعيون منها متمثلين في الممثلين يوسف العاني و زينب وعبدالواحد طه كوجوه حجبت عن الفلم أخطاءه وتهريجه ومستواه الفني .
إن السينما في العراق مع العيوب والخواص لم تستطع خلال رحلتها التكوينية أن تصل حتى مستوى الكفاف بسبب العيوب والأخطاء المتكررة وضآلة الوعي الفني وتأخر الصناعة السينمائية ، إلا أننا لا يمكن أن نلقي تبعة هذا التداعي على عاتق روّاد السينما في العراق فليس كل ما قدّم كان رديئاً لأننا لو نشرنا صفحة عريضة من تأريخها والملاحظات التي حددت مسارها لاكتشفنا بأن هذا العبء ليس شخصيا وإنما تتحمله السلطة . وهذه المقارنة تبدو قاصرة إذا لم نحاول تحديد أبعادها ، لأن أكثر الدراسات التي حاولت توثيق تاريخها لم تتعرض لغير البنية الفوقية باستثناء الدراسة التي كتبها السيد سامي عبدالحميد .
إننا ومهما حاولنا الاعتماد في فرضياتنا على تشخيص أمراض السينما في العراق أو تحديد قصورها وإلقاء الكاهل الأكبر على النواحي المادية والفنية الا أننا لم نتعرض إلى الحقيقة الموضوعية ألا وهي اعتبار السينما أداة فكرية للتحولات العمومية .. ومثل هذا الخطأ هو الذي خلق التراجعات وأوجد الفواصل وقد ادّى غياب السلطة عن ذلك وعدم تقديراتها إلى الخطأ الجذري الذي اعتبر السينما ( فناً ملحقاً ) لم يوضع الا لعناية ترويحية واعلامية شكلية .
لقد غاب عن السلطة في العراق كما غاب عن المؤسسة العامة للسينما والمسرح والتلفزيون الايديولوجيات السياسية افتقارها إلى احتواء السينما كأداة باعثة ودافعة للتطورات الاجتماعية والفكرية والصناعية … فكانت هذه الثغرة نقطة تراجع لم تحاول حتى السلطات الثورية ولا الاحزاب السياسية تصحيحها أو إعطاء مفهوم جذري لقيمتها أو اعتبارها قاعدة للتطور المحتمل فظلت السينما في العراق تعوم على فكر متخلخل متخلف ولم يأخذ باعتباره الدور الذي كان عليها أن تأخذه لرفد الوعي الفكري والتغييرات الطبقية والصراعات ورسم صورة جديدة للمجتمع المستقبلي . لأن الجماهير ظلت تنظر اليها على أنها مأوى للراقصات والدعارة ، والعمل فيها مثار للاستنكار والاحتقار . فالمرحلة التي عجّت بها المضاربة والتجريب والتقليد .. قد نجحت لحد كبير في كشف عيوب السينما حيال عملية التطور التاريخية للسينما كما دللت على نوع من الانحياز العفوي للمواطن في العراق تجاه انتاجاته السينمائية كما تميزت المرحلة من خلال السيناريوهات المقدمة ببقائها ضمن دائرة الميلودراما واستدرار المبالغة واستمرارية الاخطاء الفنية وعدم وجود فاصل عفوي بين التمثيل المسرحي والسينمائي اضافة إلى أن جميع القصص المقدمة كسيناريوهات لم تستطع الخروج من دائرتها المحلية الشعبية والبدوية وهي أشد المواجهات تصدعاً بسبب اختلاف اللهجات ..
ويلاحظ في هذه الفترة بالذات بأن السلطة الملكية قد سلمت مقود السينما إلى شركة نفط العراق التي أنشأت وحدة سينمائية ودفعت بكادر عراقي لاستكشاف الغابة المقدّسة لأنها أدركت أن الآلة الجديدة لا تحتاج إلى اموال فقط انما تحتاج إلى تخصص وفهم وكان موقفها هذا قد هيأ للمستقبل كادراً سينمائياً تمخض عن رجال لهم دور كبير في العراق مثل الفنان محمد شكري جميل وشيراك ومجموعة أخرى من الفنانين وهذه البادرة لم تكن مصدر ارتياح للقوى الوطنية فظلت الشكوك تثار حولها باعتبارها – ربيبة الاستعمار ..!!! الا أن الأحداث والمسارات السياسية قد أثبتت العكس لأن عملية التقبّل والانفتاح لا علاقة لها بالفكر ولأن التدريب المهني ومواكبة تيار الحضارة العالمية الجديدة لا يعني إنجراراً نحو الرجعية والاستسلام .
يقول الفنان كريم مجيد عن أول تجربة لشراء آلة تصوير سينمائية في عام 1932 … إن البلاط الملكي خاطب وزارة الخارجية العراقية لمفاتحة المفوضية العراقية في القاهرة للتوسط بشراء آلة تصوير سينمائية بقيمة ( مائة وخمسين ديناراً ) والعمل على إيفاد وتدريب السيد كريم مجيد على التصوير السينمائي في ستوديوهات مصر . الا أن المهمة تلكأت بسبب وفاة الملك فيصل الأول وعدم توفر المبالغ اللازمة للشراء ولم يصار تنفيذها الا أواسط الاربعينات من ذلك القرن .
وقد دلّلت تلك المهمة على أن السلطة الملكية برغم ضائقتها المالية كانت على درجة من الوعي فأدركت ما ينتظر السينما من مهمات مستقبلية فأنتجت شركة نفط البصرة ومديرية الدعاية مجموعة الأفلام التسجيلية عن العراق الحديث والصناعات العراقية اليدوية والفنون الجميلة وعمليات استخراج النفط والحركة الرياضية إضافة إلى فلم تسجيلي ملوّن عن عيد الجيش العراقي ( ضاع وسط زخم الانقلاب العسكري ) .
وعلى ضوء تلك الانتكاسات لم تعرف السينما في العراق الاستقرار الا أن النقاد ظلوا يمارسون نوعاً من النقد الهروبي والصحفي بتعليقهم الأسباب على جهل العاملين بصناعة السينما لعملهم ولعدم مساهمة البورجوازية الوطنية في هذا المجال … متناسين أن قصور العاملين وجدب صناعة السينما هو محور الحقيقة .. فعلّتها الايمان .
إن السينما في العراق مرّت بأربع مراحل حملت كل فترة بواعث نشوئها وموتها بسبب قصور العقل العراقي عن إدراك ماهية السينما لاعتمادهم على منطلقين لم يتغيرا مع السنين – المتعة والكسب المادي – ولهذا أنشأت شركات السينما العراقية شركة أفلام بغداد وشركة أفلام الرشيد وشركة اسماعيل شريف وشركة دنيا الفن وشركة أفلام سامراء وشركة أفلام العراق الحديث وشركة الرافدين وشركة أفلام الحداد والشيخلي وشركة النسر و شركة سمير أميس وشركة شهرزاد للأفلام الملونة وشركة أفلام اليوم وشركة سومر واتحاد الفنانين . وهي شركات و تكوينات هشّة انتهت حال شروعها بإنتاج أفلامها أو بعد الانتاج من دون ان تستطيع الوقوف بوجه التغييرات ..
1.مرحلة التأسيس
بدأت المرحلة عام 1946 بإنتاج فلم مشترك بين مصر والعراق ( القاهرة – بغداد ) من اخراج احمد بدرخان شارك فيه بعض الممثلين العراقيين والمصريين وهو ( فلم لم يكن مصريا ولا عراقيا بل مزيجا مرتبكا ) ويشعر المشاهد من الوهلة الاولى بأن الفلم جاء بمزيج متناقض بين اللهجتين المصرية والعراقية وكان التفاوت ظاهراص في حركة الممثلين العراقيين المسرحية ليعطي تفاوتاً حاداً في التمثيل ظهر عند حقي الشبلي و ابراهيم جلال .
وباعتقادنا أن عملية تقريب اللهجتين لم تتم كدراسة عملية انما بصفة مرحلية جاءت كمتطلبات آنية للاخراج . اما الفلم الثاني المشترك ( ابن الشرق ) من اخراج نيازي مصطفى فقد فشل جماهيريا كما فشل فلم ( ليلى في العراق ) من اخراج محمد سلمان وكان آخر الأفلام المشتركة هو فلم طاهر وزهرة ..بين تركيا والعراق .
إلا أن فلم ( عليا وعصام ) من إخراج اندريه شاتان قد خرج للجمهور العراقي بممثلين عراقيين ومخرج فرنسي نجح على مستوى التكنيك والتصوير الا ان الاطار الموضوعي لقصة الفلم قد جنحت إلى التقليد برغم الاجواء البدوية التي غمرت القصة والتي لم تخرج عن اطار الحب والانتقام حتى ليبدو انها اقرب لمسرحية ( روميو وجوليت ) بما حفّ بها من الميلودراما . وبانتاج فلم ( فتنة وحسن ) إخراج حيدر العمر عام 1955 يمكن اعتبار هذه الفترة بداية لرحلة السينما ( العراقية ) الجديدة وهي قصة تتوازى وفلم ( عنتر وعبلة ) لصلاح ابو سيف بما تضمنته من بطولات وتضحيات . وقد سجّل الفلم نجاحا جماهيريا لجمهور متعصب لأبطاله ومشاهده التصويرية برغم عيوب المونتاج والسيناريو و نمطيته .
ثم استمر تدفق الافلام السينمائية بعد ذلك ومنها فلم ندم اخراج عبدالخالق السامرائي وفلم من المسؤول اخراج عبدالجبار ولي وفلم تسواهن اخراج حسين السامرائي وفلم وردة اخراج يحيى فائق وفلم ارحموني اخراج حيدر العمر وفلم سعيد افندي اخراج كامران حسني ..وبرغم ان فلم من المسؤول قد تميز برؤيا جديدة من حيث القصة الموضوعة لانها عالجت الواقع بصورة مغايرة عما هو موروث من الجوانب الاصلاحية فإن الفلم تمثل بالثبات وابتعاده عن الميلودراما المألوفة وبتواجد ممثلين أكفّاء الا انه لم يتخلص من الطابع المسرحي .
كما اعتمد فلم سعيد افندي على الصورة أكثر مما اعتمد على الكلام وبوجود حس سينمائي اذ انه اعتمد وبشكل كلي على الطابع التهريجي والافتعال في بناء المشهد السينمائي .. وهو ما أعطى صورة مصطنعة للانفعالات والتعبير .وكانت خلفيات الفلم ومواقعه قد كثفت بشكل مثير للرتابة عبر مشاهد الاحياء الشعبية كما لم تخلو من حشر لمشاهد الليل ، وهو ما أعطى للفلم طابع المبالغات واستدرار العواطف السياسية .
2. مرحلة التمزق السياسي
لا يمكن تأمين سقف زمني محدد ولكن الانكسار الحضاري الذي وقع كان قد حدث بالفعل مع حركة 14 تموز 1958 بتحطم السلطة الملكية . وحينها ساد طقس موسوم بالمفاجآت والحركة لتتحول البلاد إلى مسيرات ومظاهرات تدعو إلى العنف والتغيير فقد عصف هذا الاعصار بالواقع الساكن المحافظ والذي ظل هادئاً عبر سنوات طويلة فبدأت أرتال من المنجزات والكتب والاثار تتحطم تحت ضربات الجماهير السائبة كما ان الكثير من الفنانين تلبسوا أقنعة الموجة الجديدة وهو ما زعزع ثقة محبي السينما لأن الاكثرية منهم عرفوا بابتعادهم الفكري والسياسي فكان تحولهم متشنجاً ما أثار نتائج عكسية على الواقع وزاد من التخبط . كما جاءت الحركة لتضع حدّاً للتنافس التجاري السينمائي المنفرد وذلك من خلال تأسيسها لمديرية السينما والمسرح فاحيط الانتاج بالقطاع العام من أجل خلق عالم سينمائي جديد بعيد عن المؤثرات الشخصية والمنافسات وفرض نوع من الهيمنة الرقابية والسياسية على عموم الانتاج وبدلا من أن يقود هذا القطاع الموجة السينمائية الجديدة ويرفدها مادياً ومعنوياً … عمل على تصدّعها وتفتيتها عندما بدأ حملاته لتصفية شركات السينما ( البدائية ) وإيجاد بدائل شكلية وفرض نوع من التبعية السياسية انطلاقاً من فوضى الواقع التي عمّت البلاد حين أصبح الانتماء والانحياز المذهبي هو الشاغل الرئيس في مضامين الاعمال السينمائية ليس على مستوى الابداع والتجديد وانما على هوية الممثلين والعاملين فدفع بالمديرية الوليدة للسقوط بين براثن الصراعات القوية والمادية الحادة وكانت ثمرة تلك الصراعات تراجعات عنيفة حطّت بالعمل السينمائي حين خرجت سلسلة من الاعمال السينمائية الهزيلة بعيدة عن فكر الثورات والجماهير وبعيدة عن الفن الحقيقي .
الا أن أثر الانقلاب العسكري كان واضحاً على محور الحركة الثقافية والفكرية عندما تلبست الحركة الجديدة ثياب سياسية متطرفة من دون الاهتمام بالمفهوم الديمقراطي الا كشعار وكان المحور من ذلك تهديم كل الركائز الاصيلة باقحامها في شبكة العمالة الاستعمارية وبما أن تهديم الحركات الثورية والانقلابات يأتي دائماً من وسطها فقد وجدت الجهات المنفذة في الفوضى ما يسهل لها هذا التقويض واوجدت عناصر فنية وثقافية لهذه المهمات حملت من البدء مهماتها التي ظلت مهيمنة على واقع وفكر البلاد منذ 14 تموز وحتى الان من خلال تبديلها للاقنعة ..!
وغشى العراق منذ ذلك التاريخ وهم بالتحول الجذري والاتجاه نحو المعسكر الاشتراكي وأدى طوفان الافلام السوفيتية الموجهة إلى صراع حاد بين الاتجاهات الليبرالية والقومية والدينية والمحافظة وكان من جراء هذا التخبط أن تراجعت السينما في العراق تراجعا حادا قوض كل الجذور التي كان يمكن ان تصحح مسارها مستفيدة من تطور الشعوب وعلى العكس تمت محاربة الرأسمال الفردي لشركات السينما وتصفيتها من دون العمل على رفدها بالكوادر والافكار الجديدة كما أن القوى الخفية التي استلمت زمام الامور نيابة عن السلطات العسكرية الجاهلة لمتطلبات العصر عملت أيضاً على تصفية ما يمكن أن يساعد في التطوير عندما فرضت الانتماءات والاتجاهات السياسية كضوابط للعمل الفكري والوظيفي فهيمنت المراهقة السياسية حتى على الفنانين والمثقفين لتكون جزءاً من رحلة الهدم ومع هذا الصخب انحسرت السينما إلى ما دون الصفر في انتاجات شكلية حملت الماضي والحاضر المهزوز كما حملت بعض الحلول الاصلاحية والترقيعية كمحاولات لاضفاء التقدمية . وأول تلك الافلام هو ( إرادة شعب ) من إخراج برهان الدين جاسم وهو فلم تجميعي أقحمت فيه الشعائريات . اما الافلام الروائية فكان منها : ( عروس الفرات) لعبدالهادي المبارك تضمن ميلودراما عراقية مألوفة وترقيعات شكلية . و ( مشروع زواج ) لكاميران حسني . و( نبوخذ نصر ) لكامل العزاوي سقط نتيجة مروره بمرحلتين تاريخيتين فتأثر بالاحداث العاصفة بعد 14 تموز والتغييرات التي حفت بالسيناريو إضافة إلى أخطائه اللغوية في الحوار برغم انه كان الفلم العراقي الملون الأول . وفلم ( أبو هيله ) إخراج محمد شكري جميل ويوسف جرجيس وهو صورة أخرى لمسرحية ( تؤمر بيك ) .وفلم ( البصرة ساعة 11) لوليم سيمون . وفلم ( قطار الساعة 7) وفلم ( أوراق الخريف ) لحكت لبيب . و ( الحارس ) لخليل شوقي . ثم تمخضت مديرية المسارح في أول أعمالها بإنتاج فلم ( شايف خير ) لمحمد شكري و فلم ( الجابي ) لجعفر علي وهو أقرب إلى الريبورتاج منه إلى فلم سينمائي ضم حفلة ساهرة ..
وما خلا ذلك انتجت بعض الافلام التسجيلية منها : العتبات المقدسة من انتاج شركة افلام الرافدين وتصوير كريم مجيد . وخلال هذه الفترة ظهرت أفلام حملت منذ نشوئها بذرة موتها فلم تقدّم شيئاً باستثناء العناوين .
وعبر اثنين و عشرين عاماً ظل المسرح هو المهيمن تمثيلاً على الافلام المقدمة وإذا ما أفرغنا القائمة من ( المطربين وفنانات الملاهي ) فإن بعض ممثلي المسرح هم الذين تولوا مكان الصدارة وكان أكثر هؤلاء قوة وقدرة على ارتداء الاقنعة يوسف العاني الذي عرف من خلال فرقة المسرح الفني الحديث دوره فاستطاع عبر اكثر من ثلاثين عاماً لاحقة أن يفرض نوعاً من الوصاية على الفن المسرحي والسينمائي مستغلا الدعاية التهريجية التي رصدته كنجم لامع فاستطاع بهذا الاسلوب ايضاً أن يطوي صفحة مشرقة من تاريخ الفن العراقي على حساب الفنانين الذين لم يحظوا بهذا الامتياز .
إن هذه التناقضات وعدم وجود فلسفة فكرية متكاملة للقوى الحاكمة سواء ما كان منها يمينياً أو يساريا شجّع على التخلّي والاغضاض عن التحولات ، وإذا كان العبء كما اعتقدنا يقع على كاهل السلطة المحافظة او الرجعية كما كان يطلق عليها .. فإن السلطات الثورية التي جاءت على أنقاض المحافظين … لم تحاول الخروج من قمقمها بإبقاء السينما كفن ملحق بالفنون الاخرى .. وأدى ذلك إلى إجهاض نمو وتقدم السينما وتراجعها عن عملية التغيير الثورية .
ولو تبنّت السلطة السياسية في العراق مواقفها من هذا الاساس لكان بالامكان تذليل العقبات ولكنها استمرت تراوح في مكانها .. فالسينما ظلت غريبة عن عقل السلطة حتى وهي تؤسس مديرية المسارح عام 1964 لأن تقديراتها كانت إيجاد مركز ترويحي يتكئ عليه رجال السلطة المتعبين ..! .
3. مرحلة البناء التقدمي
تبدأ هذه المرحلة مع بواكير ثورة 17 تموز 1968 حين وجد الفكر في التقاليد الثورية الجديدة والمنهاج الجبهوي للقوى السياسية أساسيات الانبعاث والعمل ، وبما يخص الجانب السينمائي هيمنت المؤسسة العامة للسينما والمسرح على الانتاج السينمائي ضمن خطة زمنية حددت منطلقاتها حين تم فتح الابواب ورفد السينما بالمتطلبات الضرورية للعمل وإيجاد توافق ثقافي وفني وباستحداث فرع للسينما في اكاديمية الفنون الجميلة وتطويع النقابات والجمعيات الفنية وتسهيل مهمة فتح نواد للسينما وإن ظلت تجربة قاصرة وغير عملية لإدخال أفلام سينمائية عالمية .
فكانت ورقة العمل تتركز على تطويع الفن السينمائي لخدمة الفكر القومي الاشتراكي وانتاج سلسلة من الافلام ذات الصيغ العربية للخروج بها إلى مؤتمرات السينما العالمية ،ما أدّى إلى تدفّق كادر فني تخرج من اكاديميات السينما الاشتراكية في موسكو وبرلين و وارشو وغيرها ليبدأ مهماته وعمله مع تامين مرونة عالية لتحريرهم من الطقوس الرقابية والبيروقراطية .
وقد أثار هذا الانفتاح تحولات جوهرية على مستوى الفكر والرؤية عندما انضم بعض الذين ظلوا وراء الاستار لممارسة دورهم في العمل وتحقق ذلك برجوع كادر فني من منفاه وكان اول مهرجان للفلم الفلسطيني ( الافلام القصيرة) قد تحقق في البلاد ساهم فيه الفنانون العراقيون بإنتاجاتهم التي كشفت وبشكل واضح مدى التقليد والتاخر الذي ظل مؤثراً في الفلم العراقي من حيث الصيغ المطروحة أو البناء السينمائي والتكنيك ..
يقول الفنان ( لطيف صالح ) ..( إن أبسط اجهزة التجارب المختبرية والفحص التي يجب أن تتوفر في أي مختبر غير متوفرة عندنا ، العاملون يحمضون الفلم ولا يستطيعون ضمان النتيجة حتى ان العامل يخاف إضاءة المصباح الاحمر ليرى الفلم ) .
إلا أن تلك العقبات بدأت في الزوال أثر التوجه الذي أفردته القيادة السياسية للسينما والفنون الجميلة وكان ما يثير الاعتزاز أن العاملين في المجال السينمائي قد وجدوا لأول مرة أرضية صلبة ودعما متوالياً لهم يتوازى والجهد الذي يمارسونه وكانت أولى الانتاجات السينمائية الروائية فلم ( الظامئون ) عن رواية للاديب عبدالرزاق المطلبي اخرجها محمد شكري جميل وكتب السيناريو ثامر مهدي . فالظامئون – مثل شخصيات كل منها تواجه مصيرها وقدرها بشكلها المجرد والسلبي .. حاول الاخراج فيها الاستفادة من تعميق تلك الظواهر حتى يجعل الفلم يتصاعد درامياً مع قصة البحث عن الماء . وهو برغم الملاحظات الاولى كان أقرب إلى فلم للرعاة منه إلى فلم يمثل طبيعة راغبة في الاستيطان وفيه ما ينفي صفة القرية التي أراد المخرج ظهورها كمجتمع محدود تحوطه الافكار لا الشخصيات .
والتحريف واضح في خط الرواية من اجل إيجاد سيناريو تعبيري يواصل ربط الشخصيات بالافكار .
أما على مستوى البناء السينمائي فهو وثبة ابعدته عن الفلم الروائي العراقي المألوف سواء بتصويره أو مؤثراته .. ونعتقد بأن الفلم نجح إلى حد كبير في إجهاض الميلودراما التي ظل الجمهور ينتظرها . وهو ما رشحه للفوز بجائزة تقديرية لاتحاد النقاد السينمائيين السوفيت في مهرجان موسكو الثامن عام 1973 .
ومع ان نجاح الخطوة شجّع التطلّع لانتاج فلم آخر .. إلا أن الخطأ الذي وقعت فيه مؤسسة السينما والمسرح والتلفزيون يومها انها وبحكم الحرص على انتاجها الجديد حجبت ما يمكن للنقاد ان يطرحوه من عيوب مكتفية بالمدائح الصحفية اللازمة مستندة إلى ما ذكره السيد سلام السلطان ( نحن فقراء في الحقيقة ولكن في الاشهر الاخيرة فسح المجال في أن نستورد ونجلب الاجهزة ونعمل ، وقد وصلتنا فعلا اعداد من الكاميرات الحديثة و اجهزة انارة كاملة لاستوديو كامل إذ كانت الانارة جزءا من المشاكل التي عانى منها فلم ( الظامئون ) بمعنى آخر ان الفيلم لا توجد فيه انارة فالضوء محدد بلونين الشمس والظل ) ( سلام علي السلطان ) – المسرح والسينما العدد 7/8 – 1973 .
بعدها تم انتاج ( الاسوار ) كتتمة للحلقة الوطنية التي ارادت منها الثورة ان تكون صورة لتاريخها السياسي إلا أن نقطة الخطأ هنا ظلت متكررة لأن الانتاج السينمائي تحدد في شكله القوي الملتزم فقط تاركاً جوانب اخرى من التاريخ النضالي وسط الغموض والنسيان المتعمد فظهرت بعد ( الظامئون ) افلام مثل ( الرأس ) و ( بيوت من ذلك الزقاق ) كما انتج ( المنعطف ) كعمل مشترك بين القطاع العام والخاص .
وتتابع الانتاج بشكل سريع ومحدد فظهر فلم ( التجربة ) إخراج فؤاد التهامي عن الارض والفلاحين وهو فلم امتزجت فيه الميلودراما والافتعال بالاحداث . و يشيع من المشاهدة الاولى ارتباطه بالخط الدعائي الموجه مما ينفي عنه اية صفة روائية .
أما صاحب حداد فانتج ( يوم آخر ) وهو فلم تكميلي لشعار الاقطاع والارض ومع أن حركة الفلم كانت رصينة ومجال الرؤيا فيه محدود بحكم تبعية السيناريو ومماشاته للمسيرة الثورية ، الا انه اخفق في التعريف بالحقيقة من خلال رؤياه الاصلاحية وحتميته فوقع صاحب حداد في الخطأ لأن دراما الفلم دللت على منهج غير مستقر عندما ربطت بين الاقطاع والغجر – سكان ومتحرك – لتنهي الصراع بحركات بوليسية لا رابط بينها وبين الاضطهاد . والذي فهمنا خطه البياني . ومع ذلك فالفلم كان نقياً في مشاهده ولقطاته ويتمتع بمنهج تصويري جيد .
ويأتي ( الأهوار ) ، أول فلم تسجيلي متماسك أخرجه قاسم حول لوسط جغرافي وتاريخي ظل مجهولا بعوالمه عن المدنية . ونقطة الخطأ في الفلم انه عني بفصل واحد من فصول الأهوار فجرده من عوالمه الطبيعية الاخرى . فلم تظهر الطيور ولا هجرتها ولا الحيوانات التي كانت تشارك الانسان رقعته الارضية المحدودة ولا دور الانسان بل ان الاخراج لم يتعرض الا إلى جانب ضئيل من الحياة . يذكر السيد ( قاسم حول ) : ان الرقابة السينمائية عملت على ايقاف الكثير من المشاهد وحذفها في عدم التعرض لمسارها وهو ما جعل الفلم قاصرا عن الوصول إلى هدفه ، عندما أغضى عن كثير من المألوفات والموروثات الشعبية ودور الانسان فأدّى ذلك الاقتطاع إلى جعل الفلم وحيد الجانب .
ونعتقد بأن (الاهوار ) مع محاولته لاضفاء الشمولية على تلك الارض المجهولة تمتع بلقطات سينمائية جذابة لم تتم وهو ما اضفى على الفلم مسحة دعائية كبيرة تأثرت في اولياتها بأفكار المخرج ذاته قبل هجرته من البلاد .
اما ( الرأس ) و ( النهر ) لفيصل الياسري فهي أفلام اعتمدت على رؤيا سينمائية جديدة اعتمدت على اللقطة اكثر من اعتمادها على الحوار أريد لها أن تكون حلقة من مهرجان سياسي جابه الكثير من الافتعال حتى أن المخرج وجد في هذا اللون متكأً اعانه بالتغلب على ضعف قدرته الاخراجية مما دفع بمؤسسة السينما غض النظر عن الاخطاء الجوهرية والافتعال والمبالغة التي طبعتها .. وهذا ما ظهر بوضوح في ( النهر ) الذي أريد له أن يكون حلقة سياسية عجّت بالمتناقضات غايتها الايهام السياسي . أما فلم ( بيوت من ذلك الزقاق ) من إخراج قاسم حول فجاء بعيداً عن الواقع الاجتماعي بحكم جدلية القصة المتمثلة بالصراع المادي الطبقي . لأن القصة التي وضعها جاسم المطير حرفت عن مسارها بسبب التوجه الذي جاء به انقلاب 17 تموز 1968 وكجزء من الايحاء بدور الفكر القومي برغم أن ( بيوت من ذلك الزقاق ) موضوعة بصورة مقلوبة تماماً لاعتماد الحركة الشيوعية على الصراع الطبقي الذي يلغي التمايز القومي ، وهذا التغيير أحدث خللاً في سيناريو الفلم عندما حرفت الافكار والمهمات وهو عيب ظاهر في الفهم الثوري للأحداث . وعيب الفلم الذي يعتمد لا على منظور السيناريو وانما على التحريف في المضمون .
ولا نستطيع إعطاء كشاف عمومي لمجالات الإنتاج السينمائي في المرحلة الثالثة ولكننا نعتبر (جسر الأحرار ) إخراج ضياء البياتي كلمة عميقة وعملية استغفال حاول فيها المخرج الرجوع إلى بدايات الأربعين كسذاجة القصة والتطويل والتصوير المتناقض . ولهذا اعتبر ( جسر الأحرار ) أفشل عمل ابتدأت فيه المرحلة الثالثة فظل عبارة عن رقم بين أرقام الإنتاج .
4. التعثر و التعبئة السينمائية
ومع بدايات 1980 وهي المرحلة الرابعة في عمر الفلم العراقي بدأ الاحتضار فقد وضعت لمنهج السينما في العراق مقاسات لاحتواء الفكر القومي عبر التاريخ حددت ضمن مؤشرات لانتاج سلسلة من الافلام التاريخية منها : ( القادسية ) و ( اليرموك ) و ( المسألة الكبرى ) و ( الايام الطويلة ) كجزء من المرحلة الثالثة الا أن القطع التاريخي ودخول البلاد في الحرب قد غيّر في المناهج بعد أن تحوّل الانتاج ضمن الاسلوب التعبوي إلى مواجهة مصيرية ألغت كل الاحتمالات في السير ضمن انسيابية محددة جنّد من اجلها الرجال والفكر وتحول الانتاج إلى المجهود الحربي .فألحقت الافلام التي خطط لانتاجها ضمن هذا التيار ، الامر الذي دفع إلى تغييرات جوهرية شملت حتى خواص الفكر وأدّت إلى تقلص النقد الا ما يخدم المرحلة ، وكان من أسباب ذلك فرض نظريات وآراء عملت على تغيير مسار ما تم التخطيط له فبدلا من ان يكون فلم ( القادسية ) فلماً عن الصراع والتبشير ضد الوثنية الفارسية تحول إلى صراع قومي وعنصري فادى إلى تقوقع الفلم وتحوّله إلى فلم محلي أنهى صورته العالمية وألغى انسانيته مخرج فاشل يحمل بذور موته مع انطفاء الحرب ، وما وقع لـ ( القادسية) وقع لـ ( المسألة الكبرى ) عندما حملت أكثر من حقيقتها ضمن الشعائرية السياسية . وبمثل هذا التصدّع خرجت الافلام كموجة مرحلية تقوض فيها الفكر لاننا عندما جردناها من المرحلية أصبحت مسألة باهتة استغلها الهوس الديماغوغي لحرف اتجاهاتها .
وقد خسر العراق التقييم والموازنة والاختيار كما خسر المخرجون توفيق صالح وصلاح أبو سيف مكانتهما بسبب الانقياد الذي التزموه في تنفيذهم لسيناريوهات غير عملية إطلاقاً أخذت بالاعتبار مهمة الترضية للقطاع المنتج دون اعتبارات إلى جوهر القضية ، ومع أن توفيق صالح كان قد نجح في ( رجال تحت الشمس ) الا ان دوره تضاءل إلى درجة الصفر في ( الايام الطويلة ) بسبب الانقياد الذي فرض عليه الغاء دوره كمخرج وتقبله بـ- البطل غير المحترف ليقوم بدور البطولة متناسياً أن ذلك يمكن أن يحدث في الافلام التسجيلية لا في الفلم الروائي وبحدود ضيقة ( حينما يحاول المخرج إعادة تمثيل التاريخ ) . ويظهر الانقياد أكثر وضوحاً عند صلاح ابو سيف الذي لم يستسلم إلى التأثير السياسي في إخراجه لـ ( القادسية ) وقبوله بسيناريو تركيبي فقط لم يختلف عن أية قصة خبرية محشوة بالاحداث .
واذا ما افترضنا ان الافلام الثلاثة المقدمة كانت تعود إلى المرحلة الثالثة فإن المرحلة الرابعة التي تبدأ بعد دخول الحرب وحتى نهاية القرن العشرين قد سجلت تقوضا لكل مراحل السينما في العراق ليس على مستوى النص فقط وانما على المستويين الدرامي والسينمائي بل هي ردة فاجعة فاقت حتى بدايات السينما في العراق . وقد انحصرت في ثلاثة أشكال :
1. السينما التسجيلية : حيث تعثر فيها النص فالعشائرية القاتلة والمفاهيم ذات الابعاد الساذجة وغلبة الجوانب السياحية لم تستطع أبدا إخراج نص نقرأ فيه الهدف من اخراجه إذ كانت جل تلك الافلام عبارة عن افتراض عالم ( عراقي ) خيالي الصقت فيه مشاهد ولقطات ومفاهيم هجينة وحلول وصلت حد السذاجة لتواكب متطلبات الدافع الدعائي الداخلي الذي يتطلب أسئلة بلا ردود . لقد تميز الانتاج العراقي للافلام التسجيلية والروائية بلون من المراضاة والدعاية الصحفية الموجهة غايتها احتواء الافلام وتكبير مساحاتها وكان هذا اول بوادر الانحسار لأن قانون الممنوعات الذي فرضته وزارة الاعلام قد وصل ابعد الحدود اذ لا يحبب معالجة أي نص الا بعد رش المبادئ والقيم الاشتراكية والدينية بصبغة مفتعلة من اجل اظهار الجانب المضيء من الواقع وافتراضه مجتمعا خاليا من التعسر الاقتصادي والازمات وان مخلوقاته الظاهرة ذات مستوى اخلاقي وتربوي رفيع لتحيا في مجتمع عمراني متطور لا يرى المشاهد غير العمارات والمتنزهات والاسواق المكتظة بالمواد الغذائية ..! وافترض أيضا نقاء ووطنية الجندي والشرطي وتفوقه في الكفاح والواقع ومايشمل ذلك يشمل الجميع . فلم يصار الفرز بين الفلم الوثائقي والتسجيلي وبين افلام المقاومة التعبوية عندما ابتكر بعض المخرجين امثال عبدالهادي الراوي وصاحب حداد ومحمد شكري جميل مهنة تحويل الفلم التسجيلي إلى فلم روائي من خلال اقحام ( البطل ) . ومن تلك الافلام ( الشهداء أكرم منا جميعا ) و ( صخب البحر ) و ( عروس مندلي ) حيث تلبّس المخرجون بالحرب كوسيلة لاقحام مشاهد المعارك وإمداد الافلام بالزمن حتى ان المشاهد العادي يمكنه اكتشاف هذه الظاهرة بالفطرة .
2. السينما الروائية :
يمكننا الاقرار بان فلم ( فائق يتزوج ) هو بداية الطوفان الذي زعزع بناء السينما في العراق بحيث يمكننا تحديده كفترة تاريخية لانحطاط السينما لأن هذا الفلم قد كسر الحاجز الفاصل بين الذوق الخاص والعام والهدف ، وتبعت هذا سلسلة اخرى من الافلام تافهة المضمون والاخراج .امثال ( 6/6 ) و ( قطار 2003 ) و( حمد وحمود ) و ( الكلب ) و ( شقة رقم 6 ) و ( العربة ) . وقد هيأ هذا الغثيان سلسلة أطول من الافلام السينمائية ذات المفهوم الهش التي الصقت بها الرقصات والاغاني الغجرية والقضايا السطحية ولم يخرج من كل هذه سوى فلم ( الملك غازي ) والذي وقع في ذات الخطأ الذي وقع فيه ( القادسية ) عندما أريد له أن يكون لوحة دعائية وسياسية . و فلم ( اللعبة ) من اخراج محمد شكري جميل أيضاً وهو عمل ناضج ومع اكتضاضه بالتأويلات والاشارات المقتبسة أساسا من أعمال عالمية الا انه فلم جيد على المستوى الاخراجي الا انه بمنظوره الاخراجي والقصصي لا يشابه الواقع العراقي . ففي الصحف المحلية تقرأ دائما التصريحات والاراء الثقيلة عقب أي فلم يطرح على الجماهير واذا كانت هذه الصورة غير متواجدة أصلا في الانتاج العراقي ما قبل مرحلة الثورات الا انها صارت حقيقة ثابتة بعد هذه المرحلة عندما غطت الدعاية الاعلامية المشاهد العادي واغرقته في الوهم ، عن الترحيب والاستقبال في المحافل الدولية للافلام العراقية وماكتبته كبيرات الصحف العالمية … ولكن ؟ ( الضغوط الصهيونية والامبريالية ) أحالت دون فوز تلك الافلام بالجوائز ..!! ان هذه الصيغ الجاهزة ظلت تحكم مسار الفلم السينمائي العراقي وظلت تحتجز المشاهد والمخرج في عالم وهمي فلم يعد قادرا على المقارنة لاعتقاده بالتفوق وان ما تقدم له هو ذروة الانتاج . ولأن الصيغ التبريرية صارت بمثابة الدستور الدائم فإن الفنان العراقي نسي الخلفية الخاصة بالفلم وأصبح متقبلا اللاتغيير لانه وصل حد التكامل فكانت هذه بدايات الفشل والانحطاط . وتعود الانتكاسة هذه إلى الايمان الاعمى المتجرد من التجديد والطموح لأن الصيغ والتصريحات والنقد قد أوصلت إلى حد الافتراق عن عالمه . فما دام الناقد حبيس الصيغ الجاهزة والطاعة ولا يرى أي أسس جمالية ولا علمية لدراسة الفلم الا من خلال عيون مشاهديه المحليين ، فإن ذلك يؤلف تكرارا مميتا لترديدات الصحف وعروضها الشكلية والسطحية ويغطي غرور السلطة المتمثلة بموظفيها التنفيذيين .
وقد أوصلت نتائج احداث الحرب العقدين الاخيرين من القرن الماضي إلى مفترق قاس عندما ساد نوع من السطحية المطلقة في جوهر الافلام الروائية المنتجة على وجه الخصوص من قبل المؤسسة العامة للسينما والمسرح وعلى المستويين الدرامي والسينمائي وكانت الصدمة عنيفة بين وهم الدعاية وبين الواقع .. عندما سقطت الاقنعة عن الافلام العراقية التي ( هلل ) لها العالم ..!! وقوبلت بالتقدير في مهرجانات السينما ( الموجهة ) – مؤتمر طشقند لافلام العالم الثالث ومؤتمر لايبزك للافلام التسجيلية . فمؤتمر طشقند للافلام السينمائية يمنح الافلام المشاركة كلها من قبل بلدان العالم الثالث جوائز تقديرية من دون النظر إلى وحدة البناء الدرامي والسينمائي أو اساليب الاخراج والتمثيل . فهو في الواقع شاشة دعائية لخدمة السلام العالمي وفضح الامبريالية . والجوائز الممنوحة والشهادات سياسية ولا يخرج من شباكها أي نص مقدّم ، فالمهرجان يحتوي على كل ما يقدم من دون مقياس وبشكل مجاملات فهو لا يتشابه وما هو معروف في مهرجانات كان وبرلين وكارلو فيفاري التي لا تحركها السياسة انما يحركها الابداع .
أما ( مهرجان لايبزك ) للافلام التسجيلية فيختلف كثيراً عن منهجية أفلام ( مهرجان طشقند ) لأن عروضه السينمائية مفتوحة للعالم بحكم المشاركات الدولية واحتضانه للافلام التقدمية من مختلف الدول رأسمالية أو اشتراكية الا ان الجانب السينمائي هو الذي يطغى على سمة المهرجان مع مسحات سياسية . وقد سجلت اللقاءات والدراسات السينمائية التي ظلت تعقد محاولات جادة في النقد الموضوعي ومع ان المهرجان يرفض قبول الافلام المعادية للشعوب ، فإن اللغة السينمائية وأصولها هي الاساس في العلاقة الجادة في اختيار الافلام ضمن شعار السينما في خدمة السلام ومع أن الدولة المضيفة للمهرجان ( ألمانيا الديمقراطية ) تحمل السمة الشيوعية فإن لجان التحكيم كانت تُشَكَّل دون مؤثرات سياسية أو صيغ إلزامية لأن الكثير من المحكمين قد اختيروا لا لمواقف سياسية انما لخلفيات فنية ، فإن مهرجان لايبزك لم ينس منح شهادات تقديرية للافلام المشاركة من دون استثناء والتي لا تدخل في تقييم الاعمال السينمائية . لأن الرؤية التي فرضتها المجموعة الاشتراكية ( الاتحاد السوفيتي ومجموعته ) جعلت التقديرات والجوائز الممنوحة للافلام تظل دون مستوى المهرجانات السينمائية الدولية ( كان وموسكو وبرلين ) الموضوعة أصلا لاختيار الافلام الجادة والتنافس بين المخرجين والممثلين والعاملين في المجال السينمائي وهي مؤتمرات لا ترقى للجانب السياسي أو تتأثر بشعاراته على حساب الابداع .
وقد لا تتجاوز في تقديرنا لحصيلة المهرجانات الدولية والمحلية والسياسية فإن مؤتمرات أخرى مثل مؤتمر القاهرة ودمشق وقرطاج للسينما لا يمكن الاغضاض عنها في التأثيرات السياسية التي تحدث لأسباب أقليمية أو عنصرية مثل المؤتمرات التي في القارة الافريقية أو الاسيوية وغيرها .
فخلاصة ما يمكن الوصول اليه هو أن المهرجانات الملحقة لا يمكن الاعتماد عليها كلياً في التقدير بسبب ما أشير إليه سابقاً . ولكن هذا المنظور يبقى بالنسبة للسينما في العراق قاصرا عن الوصول إلى غاياته لأن النتائج الاعلامية لا يمكن اعتبارها جادة او عملية لانها تدخل ضمن ( إطار المجاملة ) ..!! . ولكن ما يؤخذ على ذلك غير ما أشير له فالسينمائيون العراقيون والنقاد والمؤسسات المسؤولة تبقى دائماً بعيدة عن الاقرار بالحقيقة بسبب الاتكاء الذي تعتمده على تقييم تلك المؤتمرات ودافعها من ذلك الاستمرار في التعمية وخداع المشاهد المحلي ولعدم اعتبار نتائج تلك المؤتمرات سلبية أو ايجابية اختبار يمكن ان يعيد النظر بحقيقة الافلام المقدمة والاعتراف بالاخطاء الواردة ولكن العكس يظهر تماماً عندما تغرف الصحف المحلية من تلك النتائج والمقارنات معتمدة على اسلوب الاعلام المحلي الذي اعتاد دائما على قلب الحقائق أو اعادة صياغتها بما يثير عند المشاهد استغراباً دون ان يصل إلى الحقيقة .وهذا الاسلوب وان كان ناجحا بحدود ضيقة في المجال السياسي الا انه وعلى مستوى الفن السينمائي يعتبر فاشلا عندما يحول الناقد من العمل إلى ميلودراما مبررة ولعل ما ظهر في الصحافة العراقية من نقد مجامل لفلم ( القادسية ) ليشكل علامة تعجب فاضحة لم تدلل على اية موضوعية نقدية بسبب جهل الناقد بأساسيات الفن السينمائي ( إن فلم القادسية اتاح الفرصة لمناقشات خصبة ومفيدة أجمعت على ضعف المونتاج والاطالة والتكرار في مشاهد الحرب وتشتت السيناريو ، إذ لم يركّز على محور درامي ينميه في العمق بل افترض عدداً من القصص والمشاهد أفقياً داخل أحداث متشابكة ) ( فنون – العدد156- 1996 ) . وقد يظهر للقارئ والمشاهد بأن الناقد السينمائي قد حاول بشكل ( ضيق ) كشف بعض ( الاخطاء الواردة في الاخراج ) وباستحياء موروث عاد ليقول ( صحيح انها ضمن ظرفية زمانية ومكانية واحدة لكن ذلك لم يكن ليكن لأن فلم القادسية على مستوى العراق وعلى مستوى الانتاج و ( عروبته ) ..!! وضخامته ، لكنه أمام المشاهد الاوربي يحتاج إلى إعادة مونتاج وحذف ما لا يقل عن ساعة من طول الشريط وإلغاء بعض المشاهد ..!! التي قد تسيء للعرب حتى ولو كانت واقعية ..!! مثل توزيع الغنائم ، كما أن القادسية لم يدخل ( المسابقة ) في البدء بسبب طوله أيضاً ، لكن بعد ذلك ( جاملتنا ) ادارة المهرجان بإدخال الشريط إلى المسابقة ..!! ) ( مجلة فنون العدد 156 ) .
إن كل الدلائل تشير دائماً إلى حقيقة واحدة في صناعة الفلم السينمائي العراقي وهي غياب النقد الموضوعي لأن العقدة الفكرية التي يعاني منها العراقي تتمثل دائماً في الوجه الاخر للسلطة السياسية التي لا تريد أن تبوح بالحقيقة ، حتى ولو على حساب المجاملة ولذلك فإن النقد الذي يقرأه العراقي قد صيغ بشكل فوضوي ولا موضوعي ومؤطر بشكل سياسي وملتزم لفظياً بالواقعية ولا يمكنه الخروج من نقطة الالتزام او الابحار في التحليل المنطقي او المقارنة الا بما يخص الجانب المضيء فقط ، أما المسألة الثانية التي غدت عقبة اخرى عند الناقد العراقي فهي امتزاج نظرته الادبية والشعرية والفنية دون حدود أو مقاييس ، فمثلما يعالج قصة أو قصيدة شعرية يعالج مسرحية أو فلما سينمائيا فيلقي بمصطلحاته الادبية على الجانب الفني لاعتقاده بأن ذلك هو المصطلح الفكري الحقيقي للمعالجة وهذه المسألة هي حتف المسرح والسينما لان الناقد يستسهل دائما المهمة فيصيغ نقده على القصة كما يصيغها على الفلم السينمائي دون تمايز أو شعور بأن تقاليد المسرح والسينما هي غير تقاليد الادب علما بأن ذلك يكون اكثر اتساعاً في الفلم السينمائي الذي هو في أساسه عبارة عن ( آلة وفن ..!).
إن السينما في العراق ظلت محصورة دائماً سواءً في العصر الملكي أو الجمهوري ضمن هذا الاطار تحوطها الشكلية في التعبير والمجاملة في التحليل والضغوط السياسية . ولأن المشاهد ( المطلوبة ) والصارمة صارت قانوناً مقدسا وجوداً يلتزم به كاتب النص والمخرج ، فالرقابة لا تلتزم بما يقدم لها من نصوص وانما تجنح إلى فرض سطوتها حتى والعمل مقدم على الشاشة البيضاء او الشاشة الصغيرة .. إذ يبدو ان هناك اكثر من رقيب واكثر من مصدر للسطوة وهو ما يجعل الفلم المقدم عرضة للاهتزاز والتراجع ..، وحتى هذا لايمكن اعتماده عائقا جوهريا ، فالرقيب مهما كانت سطوته لا يمكن أن يتدخل او يفترض موانع للاعمال الجادة من خلال طريقة عرضها او تصويرها الا ان الطروحات الساذجة والفقيرة للافلام وطريقة اخراجها هي ما يجعل مهمة الرقيب حادة وافتراضية .
فالفلم العراقي ظل وعبر اكثر من نصف قرن من الزمن يحمل بذور فنائه في وسطه من خلال شبكة كبيرة من الاخطاء المتداولة والشائعة التي لم يصار تغييرها او إحلال بدائل لها ، فاللهجات المحلية المتعددة في الكلمة المنطوقة تظهر بصورة مفككة عند الممثل فلا يتعرف المشاهد إلى ما يسمعه عندما تختلط اللهجة الشعبية المفرطة باللهجة البغدادية المتداولة . وهذا الخطأ ساعد على انصراف جمهور المشاهدين إلى التساؤل في عدم ضبط مخارج الكلمات . ومشكلة اللهجة المحلية العراقية عقبة أساسية في الفلم العراقي ومشكلة عسيرة بالنسبة للمشاهد العربي . ولا نعتقد ان فلماً عراقياً واحداً قد استطاع احتواء ذلك أو الاهتمام به . والمشكلة الاخرى التي يعاني منها الفلم العراقي عدم وجود لغة وسط بين المسرح والسينما وسبب ذلك يرجع دائماً إلى عدم وجود قدرة تعبيرية كما نشاهدها في الفلم المصري بالذات لأن الممثل العراقي يعتقد بأن التشنج والافتعال بالحركة هو ما يعينه على الوصول إلى المشاهد ولهذا ظل حتى كبار الممثلين يعانون من تأثيراتها ولم يتميز سوى ( زينب وناهدة الرماح وعواطف السلمان وشذى سالم ) أما بالنسبة للممثلين فنعتقد بأن يوسف العاني هو الأقدر وهو ما جعله لا يتطور في منهجه التقليدي الموروث أو حركاته برغم نجاحه في السينما والمسرح . في حين أن أصالة – طالب الفراتي وغازي الكناني تأخذ شكلا سينمائيا وإن تحدد بالدور الذي يمثلونه ونعتقد بأن عدم وجود معهد عال للسينما المتخصصة هو المشكلة الرئيسية ، أما وجود السينما في أكاديميات الفنون فلم يخرج من إطاره الاكاديمي التقليدي لأنه يعد ممثلين اكاديميين لا ممثلين سينمائيين . وهذا الرأي مهما كان عمليا لم يستطع وضع اساس لسينما عراقية متطورة لأن تاريخ السينما العالمية مملوء بمشاهد وانتاجات جوهرية لم تحد بدائية الاجهزة السينمائية عن انتاج افلام عالمية معروفة ، سواء ماكان منها على النمط التسجيلي او الروائي . فالمشكلة كما نراها لا تقبع حلولها بالاجهزة المتطورة وانما بالعقلية التي تنفذ بها الاعمال لأن اللوحة الجميلة كما يقول رينوار لا تخلقها النظريات ، فالسينمائيون العراقيون ظلوا يعيشون وهم الآلة وهو ما شجع على التعثر والتراجع . وحين نحاول التراجع إلى الوراء نكتشف البون الشاسع بين ما انتج سابقاً مثل ( الحارس ) وبين فلم مثل ( العربة والحصان ) . فرثاثة الزوايا التصويرية والضوء والحركة التي تجسّدت في انتاجات ما بعد عام 1993 لا تتوازن وفلم ( الحارس ) على سبيل المثال الذي صوّر ونفّذ باجهزة بدائية . فالمشكلة الرئيسية هنا تكمن في العقلية المنفّذة ويعود ذلك إلى نوع من العلل والاسباب الجوهرية مثل غياب الكادر المتخصص علمياً وهجرة العقول بسبب العوائق التي تفرض عليهم ولذلك صار من الطبيعي أن تسيّر اجهزة السينما حالياً بعقليات ( وظيفية ) وبعقليات ( تجارية ) ترى في السينما بيضة ذهبية بعد أن أغلقت السلطة الملاهي والمرابع الليلية وتقلصت دور العرض السينمائي إلى أقل من الصفر بالنسبة لعدد سكان البلاد .
فقد حوّل الرواد الجدد من السينما ومن الافلام السينمائية إلى تابلوهات محلية سينمائية تتخلها الاناشيد والرقص والحوارات الفجة ومجالس الطرب والاغاني لصقت بشكل مثير للاشمئزاز وتبقى المشكلة الرئيسية والمهمة في العراق هي هل هناك سينما عراقية ..؟؟ وهل هناك خط جاد للانتاج ..؟
إن ما يشيع الفزع هو ان المثقفين من السينمائيين لم يحاولوا إدراك هذا المفهوم او عملوا على تخفيف لهجته او الاعتراف بوجود فلم سينمائي لا بوجود سينما عراقية …! ما داموا يعتقدون بأن إعداد الفلم السينمائي انما هو عملية مشابهة لانتاج مسرحية أو تمثيلية إضافة إلى تخبطاتهم في علم المصطلحات دون إقرار بلا جدوى النظريات .أما النقطة المهمة في هذا التراجع فهي غياب النقد السينمائي وعدم وجود ملامح نقدية . فالصحافة الملتزمة مجندة للمدائح يحوطها طابور من الكتبة وكتبة المحليات لا يملكون أية مواصفات علمية تمنحهم الحق في معرفة ما يقدمون وتبقى أشياء وأشياء كثيرة ساعدت على هذا التصدع لأن السلطة المهيمنة على كل وسائل الانتاج خرجت عن حدودها المرسومة عندما اعتبرت السينما جزءا من مهماتها إذ لا وجود لقانون يحميها أو يحمي المخرجين وكتاب السيناريو والعاملين في السينما عموماً . وبذلك صارت المؤسسة العامة للسينما تتعامل مع الفن السابع تعاملها مع الراقصة الشرقية أو مثل تعامل البلدية مع تعبيد طريق ، خاضعة للمد والجزر الاقتصادي .
وأكثر ما ظهر بعد مرحلة التسعينيات من القرن الماضي استيطان شعار المكافأة لأن العمل تحدد بالربح كما تحدد بالموقف وهذا ما ألغى التمايز بين الموظف الروتيني وبين الفنان فكلاهما شكل واحد لا يمكن إيجاد الفرق بينهما ، وهي صيغة تدميرية حطت بالفن السينمائي ودفعته إلى مهاوي التبعثر والانهيار ، وسقوطه بين براثن تجار الحرب الذي صاروا يمثلون سوقاً للبورصة الفنية استاق الفنانين إلى حتفهم بعدما أغرت الكتاب لنسج الكثير من القصص الميلودرامية الهابطة وانقاذهم من الانحطاط الاقتصادي الذي يعانون منه ، وعلى ذلك صار تسويق مجموعة رثة من الافلام السينمائية إلى القوافل المهاجرة من اعماق الريف التي احتلت أماكنها في الاقتصاد والمال وأزاحت الفئات المتنورة والمثقفة عن المدن واحتلت مكانها فصار من الطبيعي ان يصبح الاميون والريفيون الذين تركوا قراهم الجمهور الحقيقي وهم لا يبحثون الا عن متع رخيصة وكلمات رنانة وصور ميلودرامية تلبي حاجياتهم الضالة فالفن عندهم هو مفاتن الغجريات والاغاني المائعة ، وقد ساعد وبشكل جذري على هذا التغيير لان استيراد الافلام و توزيعها صار حكراً على الفئة الجديدة المتهالكة على المال والجنس . كما ان استوديوهات محطات التلفزيون والسينما والمسرح عرضت للبيع أو التأجير ولم تتملكها الا نوعيات بدائية ساقت الذوق العام إلى الانهيار .
يميل مشاهدو الافلام السينمائية دائما إلى النهايات السعيدة لاعتقادهم بأن ذلك جزء من التعويض الانساني عن المعاناة والالام ويبدو إصرار المشاهد العراقي جاداً في قبول حتى الافتعال من اجل ان يحظى بالسعادة النفسية لأن ( البطل ) برأيهم فوق جميع الاعتبارات التي تفرض خلوده وخلاصه من الموت او المرض والا كان الفلم رديئا وفاشلا وقد انتبه مخرجو الافلام العربية لهذه الظاهرة ليس على مستوى العراق فقط بل على مستوى الوطن العربي إلى حد ما عندما ادخلوا الميلودراما والقدرية من أجل تخليص المشاهد من الشعور باليأس ودفعه للأمل . ( فالميلودراما التي أخذت تمتليء بالعناصر المثيرة للعواطف أهملت رسم الشخصيات وابتعدت عن روح المأساة الحقيقية لتعنى التأثير في المتفرجين دون أي شيء وقد أصبح الغناء والاستعراض والحادثة العارضة من الخصائص الغالبة عليها ) فالميلودراما التي يعتمد مؤلفها على وسائل مصطنعة لإثارة الالم في نفوس قرّائه ونظارته كأن يبرز وجيعة ابطاله استدراراً للعطف وشحذاً لمشاعر الرحمة . وعلى العكس من ذلك نرى ميلا للمشاهد العراقي إلى المآسي ومتابعة الافلام ذات المنحى الاسود والتراجيدي وخصوصاً الافلام الهندية والعربية .وقد لانجد في الوطن العربي شبيها لهذا التقلب في الذات الشخصية العراقية عندما تتوازن التراجيديا والميلودراما فالانين والبكاء يستثيران العراقي لحد الامتاع في السينما والمسرح وفي الغناء أيضا ويبدو ذلك غريبا في وضع خط فاصل بين هذين المذهبين وبين سلوك المشاهد العراقي وموقفه وتأثيراته وقد واكبت الميلودراما المشاهد في العراق بشكلها الساذج ، إلا أن هذا المنهج وعبر سنوات التراجع بدأ يأخذ انماطاً وأشكالا حملت مضامين سياسية حوّلتها إلى ميلودراما سياسية أرغمت المشاهد والمخرج على الانقياد والايمان بها كظواهر غيبية مثل الشفقة والتبرير والتعصب وجاء ذلك حتمياً عندما ادركت السلطة أن مثل هذه التعميمات صارت هي المقود الذي يؤهلها لتوزيع ما تخطط له من أفكار مرئية او غير مرئية ساعدتها على فرض رقابتها الصارمة المحمومة بين التحريم والترغيب ضمن إطار شكلي من الميلودراما وعلى هذا المنحدر سارت السينما في العراق التي جنح بها التخبط إلى ابتكار أشكال ضحلة من الانتاج ولكن هذا المنحدر لم يتحدد بشكل سلبي على الافلام الاجتماعية والعاطفية انما مس التيار والفكر السياسي والوطني فأبطال تلك الافلام صار ما يشاغلهم دائما الشكل الذي يلهي الجماهير عن الحقيقة إذ صاروا يتميزون بتفوق غير عادي يجنح دائماً إلى تقليد شخصية السوبرمان في أفلام ( جيمس بوند ) أو الكاوبويز لاعتقادهم بأن هذه الصفة هي التي تغلف العقل العراقي وتحد من تطلعات الانسان عندما تشاغله البطولات الخارقة والتحدي . وانعكس هذا وبشكل عمومي على افلام المقاومة والصراع التاريخي فالعراقي متميز دائما بالعمل والكفاح اما صفة البطولة فهي دائمية وملاصقة لشخصه . وفعلت الميلودراما السياسية فعلها في تخدير الانسان وهي صفات التطلع عنده حيث لم تعترف أبداً لا في افلام الحرب والسياسة بفشله او نكوصه وهكذا تجلت الميلودراما لتصبغ انساننا في الداخل وتجعله مؤمنا لا مفترضا البطولة وكان من تأثير ذلك أن سقطت السينما والادب والفن في زحمة هذا الاعتقاد الساذج فهناك ألوان معروضة من الميلودراما القاتلة ظهرت وكانها قدر محتوم في الافلام المنتجة محلياً .فالعشائر الغاضبة في ( عليا وعصام ) تقف أمام نواح الام وقفة خشوع لتستمع إلى حكمتها بأن ( الصغير ) هو من سياخذ الثأر لأبيه فتتراجع الجحافل المدججة بالسلاح وهي تهتف محيية ( الصغير ) …!! و ( ليلى محمد ) – امرأة الشهيد في قطار _2003 ) تضع مولودها في ( قطار المهمات الخاصة ) فيرتفع التكبير …! والعامل المنقطع في ( أوراق الخريف ) سرعان ما يكتشف أباه المدمن على دخول الحانة ..! و ( عروس الفرات ) تجد نفسها أمام أبيها الحاني والغافل عن خيانة زوجته فيكتشفها ( بالصدفة ) ..! وحمال ( جسر الاحرار ) يجد مثواه بالنوم فيحلم بجائزة اليانصيب ..! ويفوز بالمتعة التي تشغل وقت الفلم ، ثم يستيقظ ليقود عربته . وبائع النفط في ( الحارس ) يفتضح أمره عندما يشب الحريق فيكشف سر اللوحة المسروقة . هذا الغيض المريع من الاتكالية الميلودرامية عملت على تسطيح الفكر وخلق اللامسؤولية عند الانسان لأن تأكيدها على ذلك خلق وتيرة ثابتة من الحلم اليائس .
ويبدو أن محور تلك الميلودرامات قد ألبسه فنانو السينما في العراق ثياب العصر عندما فطنوا لتلك النبرة الشاذة فأضافوا مسحة تقدمية على أفلام العصر ( الجمهوري ) .