قراءة في شعر محمود البريكان
إضاءة منهجية :
قد يكون من قبيل المفارقة ، أن يقترن اسم محمود البريكان في ذهن من عرفه عن قرب ، بالعزلة والاغتراب داخل الذات ، في الوقت الذي يكون فيه أشد انفتاحاً عبر فضاء الشعر اللانهائي ، على عالم الإنسان ومأساته ، في عصر غادر إنسانيته والى الأبد .
إن معرفة شخصية المبدع ، لها أهمية لا يمكن إغفالها في فهم إبداعه الشعري ، ذلك أننا نعتقد بأن ثمة صلات عميقة ، بين المبدع ونصوصه الإبداعية ، فالمبدع هو الذي ينتج النص ويؤسسه , وإلا (( فمـن أي قوت يقتـات هـذا الإبـداع ، إن لم يكن من تلك التـي تعمـلُ عنـد المبـدع ؟ )) (1) . إن النص هو الحاضن الطبيعي ، لقصدية المبدع ونياته ، وهذا يجعلنا في موقف مضاد لنظريات الحداثة ، التي تعمل على إقصاء سلطة المبدع ، لتحل محلها سلطة اللغة التي تشبه إلى حد كبير - في ضوء هذه النظريات - سلطة الجاذبية والضغط الجوي ، تلك النظريات التي ترى أن الخطاب ليس واقعة وإنما هو نظام لغوي ، أو بتعبير بنفنيست إن ( لحظة الخطاب ) (( هي هذه الواقعة المختفية فقط )) (2) . إن تجاهل لحظة ولادة الخطاب ، تحيل الخطاب برمته إلى النظام اللغوي المحض ، ومن ثم تجعله رهناً بالقراءة والتأويـل المنفتح أبـداً ، الذي يشبه (( لعبة المرايا اللامتناهية )) بتعبير رولان بارت (3) ، حيث لا ينتمي الأدب إلا إلــى (( الأشكال الفارغة العظمى )) (4) ، أو بتعبير لاكان (( إن الدال يعمل بصورة مستقلة عن دلالته وفي غفلة من الذات )) (5) ، حينها يصبح الخطاب مجرد شفرة وليس رسالة ، وعليه فإن القراءة سوف تتمركز في ما تعنيه الجملة ، وليس فيما يعنيه المتكلم . وإذا كان الأمر كذلك فلسنا ندري ما الذي يكمن وراء اختلاف الخطابات الشعرية ، إذا كان النظام اللغوي للخطاب في أي مجتمع لغوي ، هو نظام واحد ؟ إن اختلاف الخطابات والنصوص الشعرية ، لا شك في أنه ناجم عن اختلاف المرجعيات ، وإلا كيف يختلف الخطاب الشعري لدى السياب ، عما هو عليه عنـد البياتي ، أو أدونيس ؟
إن دلالات النص الشعري ، لا يُحدّدها السياق النصيّ فحسب ، وإنما تحددها علاقات النص بسياقات ثقافية واجتماعية متداخلة على نحو معقد ، بما في ذلك شخصية المبدع وثقافته ورؤيته الشعرية ، التي تجسدها التجربة الكلية للشاعر . إن هذه الفرضية صحيحة وعلى قدر كبير من الأهمية ، في تحديد مقتربات قراءة النص الشعري ، مثلما هي مفيدة وعلى القدر نفسه من الأهمية في الدراسات الأدبية . غير أن غياب تلك المرجعيات بالنسبة للشاعر البريكان ، يضطر الدارس إلى اعتماد السياق الكلي لتجربة الشاعر ، فضلاً عن السياق النصي وما يتضمنه من مفاتيح لغوية ، تمثل مقتربات دلالية ومنطقية للقراءة والتأويل ، وهذا ما سوف تعتمده هذه الدراسة .
إن التجربة الشعرية لأي شاعر حداثي ، ليست متجانسة من حيث أساليب الأداء اللغوي ، واستخدام التقنيات البلاغية وآليات الترميز والإيحاء ، وغيرها من الأساليب التي تعمّق المعنى وتوسّعه ، على النحو الذي يضفي عليه طابع التعدد الدلالي ، حيث تنزاح الدلالة من البنية السطحية لتكمن في أغوار البنية العميقة ، وهذه السمة هي التي تجعل بعض النصوص تحظى بأهمية خاصة ، نظراً إلى شعريتها العالية كما في نصوص ( رحلة القـرد ) و( الأسـد في السـيرك ) و( متاهة الفراشة ) ، التي ستكون موضوعاً لقراءتنا هذه .
حداثة النص وإنسانية الرؤية
يتسم شعر محمود البريكان ، بسمات الحداثة الشعرية ولاسيما مرحلة الخمسينات وما بعدها ، ذلك أن قصائده المبكرة التي كتبت في الأعوام 1947 ، 1948 ، 1949، لم تتجاوز سياقات القصيدة العربية التقليدية ، في منحاها الوجداني ولا أقول الرومانسي ، برغم ذاتية هذه القصائد ، ومسحة الحزن والشكوى الطاغية التي تميّزها ، غير أنها ـ مع ذلك ـ تتميز بكونها تسمو فوق الذاتية الفجة ، التي تعبّر عن مأزق وجداني / عاطفي ذي بعد ذاتي ، بما تعنيه الذاتية الرومانسية ـ ولاسيما في مراحلها الأولى ـ من انقطاع عن العالم ، وعزوف عن هموم المجتمع وتناقضاته ، إنها وجدانية مأزومة قوامها الحزن الفلسفي ، الناجم عن وعي مأزق الوجود وتناهي الإنسان وانسحاقه أمام حتمية الفناء ، فمحمود البريكان في قصائده المبكرة ، لم يقف على أطلال حب تهدّم بفعل قسوة الزمن ، وإنما تعمّق وعيُه الشعري ، في عتمة التناقض بين صدمة الوجود وتسامي الكينونة .
أما بالنسبة للحداثة في هذه القصائد ، فإنها قد اقتصرت على الشكل الشعري الذي بني على التنويع في البنية العروضية ، كما في قصيدة ( مصرع خيال ) 1948(6) ، وربما لازم هذا التحديث الإيقاعي الكثير ، من نصوص الشاعر (7) ، وهي مظاهر شعرية خارج نطاق منهج هذه الدراسة .
وإذا تجاوزنا مرحلة البواكير هذه ، فإننا سنكون إزاء نصوص شعرية أكثر نضوجاً من الناحية الفنية والرؤية الشعرية ، ابتداء من مرحلة ( حارس الفنار) الممتدة بين الأعوام 1958ـ 1969 ، إذ نلاحظ ميل الشاعر إلى توظيف الرموز الخاصة كما في ( حارس الفنار) ، أو تلبس الرمز الخاص عبر تقنية القناع ، كما في قصيدة ( هواجس عيسى بن ازرق في الطريق إلى الأشغال الشاقة ) ، مروراً بمرحلة ( عوالم متداخلة ) التي تمتد بين عام 1970 - 1997 ، والتي تتسم بنضوج التجربة الشعرية واتساعها وعمقها ، ولاسيما في بعدها الإنساني . وتتضمن هذه المرحلة أهم منجزات البريكان الشعرية ، وأعني بها قصائد ( قصة التمثال من آشور) ، التي يتقمّص فيها الشاعر شخصية هذا الملك الآشوري ، عبر تقنية القناع ، و( رحلة القرد ) و( الأسد في السيرك ) و( البدوي الذي لم ير وجهه احد ) و( متاهة الفراشة ) و( التصحّر) ، وهي نصوص ذوات بنية رمزية ، تتضمن رؤية تعريضية مبطنة ، بقيم العصر المادية التي أفضت إلى تشييء الكيان الإنساني ، وسقوطه في حالة مزرية من الاغتراب . إن تلك الرؤية الشعرية سوف تتجلى في ثنايا قراءتنا النصوص الثلاثة التي سبق ذكرها .
أولاً : المصير القهريّ / رحلة العدم
إن المتتبع لـ ( رحلة القرد ) يدرك أن ثمة بنية داخلية مركبة ، تحكم القصيدة وتوجه أحداثها على نحو ينسجم مع الرؤية الفكرية الخفية ، التي تسعى القصيدة إلى الإيحاء بها ، إذ تتشكل تلك البنية الدلالية من أربعة فضاءات شعرية هي :
1. الفضاء الوجودي / القرد القابع في القفص.
2. الفضاء المكاني / تكثيف المشهد الحسي .
3. الفضاء النفسي / العالم الداخلي للقرد.
4. الفضاء التقني / مختبر التشريح.
إن تلك الفضاءات الأربعة ، تحيل إلى أربع وحدات دلالية صغرى ذات أبعاد نفسيـّّة وذهنيـة ، تمثل مظاهر الوجود المستلب ، الذي يعتمد على أنماط معينة من ممارسات وجودية لها علاقة مباشرة ، بما يؤول إليه الكائن من مصير ، وتندرج تلك الوحدات الدلالية ، فيما يمكن أن نسميه محاور رؤية الإستلاب ، وهي كما يأتي :
المحور الأول : اختزال الوجود / الاغتراب المحكم
ويمثل هذا المحور الخطوة الأولى في رحلة الاستلاب ، التي تفضي في النهاية إلى مصادرة الوجود ، حين يتقبل الكائن شكل الوجود ، الذي يراد له أن يوضع في إطاره ، حتى وإن كان قفصاً من خشب أو حديد ، فلا فرق في ذلك :
داخل القفص الخشبيّ
في مؤخرة الشاحنة
يقبع القردُ ، يبدو عليه الهدوء (8 )
إن الشاعر ومنذ البدء يؤطر فضاء النص الاستهلالي ، بما يوحي بالبعد التقني ( القفص ، الشاحنة ) وهي مظاهر توحي بعلاقة المصير بإشكاليات العالم التقني ولاسيما إذا كان وعي الوجود منحصرا في الوعي الحسي الطبيعي المباشر الذي يكشف عن بدائية الكائن وسذاجته مقابل تحكّم الآخر عبر التقنية في وجوده وممارساته الحياتية .
المحور الثاني : هيمنة الرؤية البصرية / غياب البصيرة
وتتجلى بدائية هذا الكائن وغريزيته ، في تمحور وعيه العالم حول الإحساسات الجسدية ، والرؤية البصرية الخالصة : ( يبدو عليه الهدوء ) المصالحة مع الواقع و( يتفحص ما حوله ) التفحص البصري ، و( يضطرب القرد ) توتر جسدي و( لكنه يستعيد هدوءه ) غياب التوتـر ، و( يواصل تحديقه ) الوعي البصري . إن تلك الرؤية البصرية المهيمنة ، مقابل استبعاد الوعي الذهني ، يحيل العالم والوجود ، إلى مجرد انطباعات حسية متناثرة لا يجمعها رابط ما ، إنها مجرد مشاهد حسية مبعثرة تلوح للبصر دونما معنى ، وهذه الدلالة يكشف عنها النص ، بتحوله من الجمل الفعلية إلى تراكيب إسمية متناثرة :
المزارعُ خضراءُ ، صفراءُ ، غبراءُ
تحت ضياء النهار
النخيلُ ، الصخورُ ، النساءُ ، الصغارُ
البيوتُ ، القبورُ ، التلالُ ، الوهادُ
القرى ، المدنُ
إن غياب المعنى / معنى الوجود ومظاهره الحسية ، لا ينفي وعي المفارقة المكانية أو الإحساس بالمكان / المكان الأليف بوصفه الحاضن الطبيعي المنسجم ، مع طبيعة القرد وضرورات حياته العملية ، والمكان القهري الناجم عن اقتحام وجوده الطبيعي ، ونقله إلى مكان غريب مختلف سريع التغير والحركة ، إلى درجة لم يكن في مقدور هذا الكائن الربط ، بين عناصره ومكوناته لغرابتها ، وسرعة تغيرها . وغياب المعنى يفضي إلى التوتر والرغبة في اجتياز هذا العالم .
المحور الثالث : الخلاص الإستيهامي / آلية النكوص
إن هذه الرغبة / اجتياز العالم ، تبدو مستحيلة على من يقبع في قفص ، ولذا فلم يعد أمام القرد ، سوى الهروب الاستيهامي عن طريق الحلم :
يحلمُ القردُ بالغابة النائية
وأراجيحها
إن وعي المفارقة المكانية وما تفضي إليه من مفارقة وجودية ، تخلق وعياً من مستوى آخر ، من شأنه أن يولد تحوّلاً نوعياً في مستوى الانفعال ، إنه وعي الشقاء الناجم عن اجتثاث مكاني ، ينتهي بالضرورة إلى اغتراب على الصعيد النفسي :
يعطسُ القردُ ، يمسحُ عن جفنه دمعة
إن إشكالية المفارقة الوجودية ، تكمن في الوعي الحسي المحايث أو الوعي السطحي المفرغ من الفهم ، ذلك أن الوعي الشقي / وعي الشقاء ، لم يكن موقفاً أو رؤية عقلية ، وإنما هو محض لحظة شعور آني ، سرعان ما يتلاشى ليسقط من جديد في التعاطي الحسي المباشر إزاء العالم :
يمسحُ عن جفنه دمعة
ويواصلُ تحديقه
إن ثمة مسافة زمنية بين الفعلين ، اللذين يوحيان بالحركة ، وهما ( يعطس ، يمسح ) ، غير أن المسافة تنعدم بين الفعلين ( يمسح ويواصل ) ، فقد قضى نسق العطف على الفارق الزمني بين الفعلين ، إذ جعل لحظة الحزن ( يمسح دمعة ) عبر الجملة الكنائية ، تذوب فجأة في ( مواصلة التحديق ) ، والانبهار بحسية العالم الخارجي ، وهذا ما تؤكده الحملة اللاحقة ، لاستعراض المظاهر الحسية الفارغة من المعنى ، التي تصيب القرد بنوبة من السأم والملل والانزعاج ، لكن هذا الشعور سرعان ما يتلاشى من جديد :
يشعرُ القردُ بالانزعاج
لحظة ً ويواصلُ تحديقه
المحور الرابع : التكيف الجبري / آلية التكوين العكسي
إن حالة الانبهار بحسية المشاهد ، جرّاء تغيرها السريع ربما تشكل مظهراً من مظاهر الاستمتاع المؤقت ، وإنْ كانت تلك المشاهد بلا معنى ، إنه مظهر من مظاهر الانغماس في شكلية الوجود المفرغة من المعنى ، التي يستمتع بها الوعي السطحي الذي يعنى بظواهر الأشياء عبر أشكالها وألوانها ، فهي رغم افتقارها للمعنى / التمركز حول الشكل المحض فإنها :
تبدو كشيء من السحر لا ينتهي
تلك هي رحلة القرد التي تبدو في وعيه السطحي كذلك ، دون أن يعي مغزاها . إن المأزق الوجودي المأساوي يكمن في أن هذا الكائن لا يستطيع إلا التحديق :
كلُ ما يستطيعُ
أنْ يُحدّق
وهذه العبارة تتضمن دلالات مزدوجة وبعيدة ، تتكرر عبر تراكيب لغوية مختلفة الأساليب ، يمكن اختزالها في تمركز الأفعال حول الذات ، وانكسارها إلى الداخـل : ( يقبع ، يتفحص / بصريّاً ، يضطرب ، يواصل التحديق ، يحلم ، يعطس ، يمسح دمعـة ، يشعر بالانزعـاج ، يُحــدّق ) ، وهي أفعال وتراكيب توحي بتمركز الوعي حول الرؤية البصرية المنبهرة بحسية العالم وسطحيته ، يقابله غياب البصيرة / غياب الفهم ، وغياب الفهم يجعل حياة الكائن ممارسة وجودية ، على الصعيد الحسي البايولوجي مجردة من الكينونة .
إن رحلة القرد إنما هي رحلة مخطط لها سلفاً ، ابتداء من نقطة البداية / تحديد شكل الوجود ، ومظهره المختزل في ( القفص الخشبي ) ، لتنتهي إلى ( قفص علمي ) أي غرفة مؤثثة بأجهزة وتقنيات علمية ، تمثل مظاهر رمزية لحضارة العصر ، التي توظف تقنياتها في صناعة الموت ، من أجل الهيمنة على الحياة وتوجيهها ، على نحو يخدم تقدم حضارة التقنية لا حضارة الإنسان ورفاهيته . ولذا فإن تأمل بنية النص ودلالاته الرمزية ، يكشف مغزى النص ودلالته العميقة ، الكامنة في انسحاق الإنسان أمام عجلة التقدم التقني ، واندحار قيم الوداعة وروح المسالمة التي يمثلها هذا الكائن الأليف .
ثانيـا : بنية الترويض القمعي / ميكانزم التطابق الآلي
وإذا انتقلنا إلى النص الآخر ( الأسد في السيرك ) ، فإننا نلاحظ أن ثمة تقارباً بنائياً بينه وبين النص السابق ، يتجلى في تشابه محاور بنيتي هذين النصين ، ففي مستهل النص يبدو التركيز المكثف على حسية المكان ، وإنْ كان المكان يتسم بمظاهر تقنية / فضاء السيرك ، بينما في النص السابق يعنى بإبراز المظاهر الطبيعية الحية .
إن النص يعرض بدقة تفاصيل الفضاء المكاني ، وما تتخلله من مظاهر توحي بالانبهار (الموسيقى / تصفيق الجمهور / دائرة الضوء / الأفيال تهرول / تقدم مواكب أبطال السيرك / ضجيج الألوان ) . وهذه المشاهد كما تبدو محايدة دلالياً ومفرغة من الحركة ، لأنها متضمنة في سياقات جمل اسمية ، جاء التركيز فيها على الأسماء بينما تراجعت الأفعال جملاً خبرية .
وإذا تجاوزنا هذا المحور ، فإننا نكون أمام محور آخر ، مفعم بالحركة والترقب هو : محور الترويض القمعي الذي يمارسه المروّض بواسطة السوط ، الذي يُكرّس نمطاً سلوكياً معيناً يتوخاه المروض ، لينتقل بهذا الكائن من مستوى الوجود الفعال إلى مستوى وجودي آخر ، يتحوّل فيه المروّض ( بصفة المفعولية ) ، إلى مجرد ظل وجودي لحامل السوط ، الذي يحدد استجابات الكائن المستلب ، بأفعال طلبية استعلائية توحي بتباين المقامات .
إن ستراتيجية الترويض القمعي ، تهدف إلى سلب الآخر إرادة الفعل وإرادة التفكير ، ليتحول وجودياً من كينونة الذات إلى كينونة الشيء / الأداة أو الآلة ، فالأسد لم يعد كائناً حياً ، كما كان في مكانه الطبيعي الأليف ، وإنما أصبح مجرد أداة لتحقيق غايات الآخر ، بانتقاله إلى عالم مفارق / عالم السيرك التقني :
الأسدُ المتحفزُ يزأرُ في وجه مُروّضه ِ
يستقبلُ قرقعة الصوت
يكشفُ عن أنياب صدئة
الأسدُ الهرمُ يحدقُ في الجمهور
ويطأطأ هامته (9)
وتتوالى الأفعال الآمرة ، وتتكرر في ثنايا المقطع اللاحق ( إقفزْ ، إقفزْ ، إقفزْ ، إنزلْ ) ، ويعقب كل فعل من تلك الأفعال استجابة حركية ملائمة للفعل المطلوب ، وإذا تأملنا سياق الأفعال الآمرة وأفعال الاستجابة ، نستطيع أن ندرك التحول الوجودي الذي أريد لعملية الترويض أن تحققه ، وهو خلق استجابة لاواعية مرتبطة شرطياً ، بعملية التفوه اللفظي ، التي يمارسها المروض ، عبر التلويح بالسوط أو سماع قرقعته .
إن محور ( الترويض القهري ) ، لابد أن يقود إلى ( محور التطابق الآلي / السلوك المنمط ) ، إذ تكون عملية الترويض قد حققت نتائجهـا السلوكيـة ، بتثبيت (نمـط السـلوك المطابـق ) لسلوك المجتمع التقني ، رغم بقاء بعض مظاهر الوجود الطبيعي للكائن الحي ، التي لم تقض عليها عملية الترويض ، لأنها مظاهر ملازمة للوجود النوعي للكائن الحي ، ولازمة من لوازم ذلك الوجود ، وهي ( الزئير ، وفتح الفم على الآخر ) ، فهي مظاهر فطرية لا يمكن ترويضها أو التحكم بها ، كالترديد الببغاوي والضحك والبكاء عند الإنسان . فالترويض يعني الانقياد لمشيئة المروض وغاياته ، فلا يضير المروّضَ الزئيرُ وفتحُ الفم على الآخر ، إذا حقق هذا الكائن الهرم / فاقد الفاعلية ، متعة الجمهور ودخلاً وفيراً للمروض . إن ثمة تطابقاً آلياً بين الأسد ومروضه ، يتجلى في العناق بين هذين الكائنين :
يتمددُ فوق الأرض
يفتحُ فاه على آخره
يستقبلُ رأس مروّضه ِ
ويعانقـُهُ
ويقومان معاً (10)
إن التطابق الآليّ الذي يوحي بالانتقال من الوجود الفعال ، إلى الوجود الآلي المفتعل ، بكل ما فيه من سطحية وهامشية ، لابد أن يفضي إلى موت رمزي ، حين يكون الوجود مفرغاً من قيمته وجدواه ، بالنسبة للوجود لذاته ، أو حين يكون الوجود غاية لغيره ، فبعد أن كان الأسد :
شبحاً غامضاً لإله القبائل
وجهاً مضيئاً لليل الطبول
ملكاً للسهوب وللغابة الصامتة
فإنه يؤول إلى مصير مريع ، يكتنفه الضعف والإزدراء :
يدخلُ في قفصه ِ
يُرمى بقشور اللب
ويحدقُ في الجمهور طويلاً
إن عملية التطابق الآلي ، قد أتت على القيمة الوجودية لهذا الكائن والى الأبد ، لأنها أفقدته القوة والهيبة ، فأمسى عاجزاً إلا عن التحديق ، ووصف التحديق هنا بنعت ( الطويل ) ، يبطن دلالة نفسية عميقة تتجاوز الشعور بالحزن والأسى ، إلى ما هو أمرّ من ذلك ، وهي مرحلة أفول أسطورة هذا الكائن المهيب ، الذي لم يفقد هيبته فحسب ، وإنما فقـد مقومات وجـوده وسرّ كينونتـه :
يتحسسُ موت مخالبه ِ
وتفتتَ أنيابه ِ
وهذه أبرز مظاهر الموت الرمزي ، بوصفه فقداناً للإرادة والفاعلية ، حين يسقط الكائن في حالة من حالات العجز المطلق ، الذي يختزل فاعلية الوجود ، في القدرة على التحديق :
ويُحدّقُ مُتحداً بالظلام
إن رمزية الموت هنا يؤسسها مظهران : ( التحديق عبر التكرار المؤكـّد ، أكثر من مرة ) و( الاتحاد بالظلام ) ، الذي يوحي بالتلاشي وسط ظلمة العدم .
إن النص فضلاً عما يبطنه من دلالة عميقة ، ذات صلة مباشرة بالرؤية الإنسانية المضادة للحضارة الراهنة ، ذات البنية القيمية المادية ، فإنها لا تخلو من بعد سياسي يتضمن التعريض بالنظام السياسي القمعي ، الذي يفضي بالإنسان إلى السقوط في حالة من الاستلاب ، فيصبح كائناً غير قادر إلا على التحديق والتفوه اللفظي ، داخل القفص الاجتماعي الكبير ، كخيمة السيرك ، أو من وراء قضبان الحديد داخل القفص الوجودي الكبير / العالم ، وتلك مظاهر استلابية ليس لها قيمة عملية أو واقعية ، ما دام المروض ما يزال منتصباً يمسك بسوطه المدوّي بقرقعته المقيتة .
ثالثا : ثنائية الحضور والغياب ـ البصيرة / العمى
مع ( متاهة الفراشة ) تكتمل الصورة الثلاثية الأبعاد ، للثيمة المهيمنة التي ترتكز عليها الرؤية الشعرية ، ابتداء من النزوع الوديع ، والعظمة المستباحة ، وانتهاء بالوعي الحسي السطحي / الوعي الزائف ، وإنْ كان هذا الوعي المنبهر بحسية العالم وشكليته المطلقة ، يمثل مبدأ تكوينياً في الوعي الإنساني الراهن ، وعاملاً من عوامل التدمير الذاتي للبعد الإنساني للوجود ، بمعنى أن السَوق القهري للوعي ، إلى معبر الحسية والشكلية ، من شأنه أن يفضي إلى إفراغ هذا الكائن ، من محتواه الإنساني ، والسقوط في حالة من التشيؤ وهامشية الوجود ، حيث يُختزل العالم ببعده الحسيّ ، ليصبح ( مهرجان مصابيح ) و( مصنعاً ضخماً ) تُعيّن ماهيته مصابيحُ النيون كثيفة الأضواء .
إن التركيز على البعد الحسي للعالم ، يمثل ثلث القصيدة ، ابتداءً من مطلعها الاستهلالي ، الذي يفصح عنه الحقل الدلالي للضوء ( المصابيح / الضوء / العتمة ) وهو يمثل مصدر حالة الانبهار الساذج / الغريزي بالعالم ، مقابل غياب البصيرة / العمى :
الفراشة ُ لا تستطيعُ القراءة (11)
إن ( القراءة ) هي مرتكز الفهم وأداة إدراك المغزى ، ولذا فإن غيابها يعني سيادة العمى / ظلمة المصير والمآل المأساوي ، ومن هنا يأتي تكرار تأكيد هذه الدلالة بعد انزلاق الفراشة ، مأخوذة بـ ( سحر النيون ) ، المرادف لـ ( سحر رحلة القرد ) ، ذلك السحر الذي انتهى بهذا الكائن إلى مصيره المأساوي ، لأن وداعته الفطرية قد أوقعته في عمى البصيرة ، الذي حال بيته وبين فهم حقيقة الحياة الراهنة ، بكل ما فيها من وحشية وبشاعة . إن سحر النيون وبُهرُج العالم المفعم ظاهرُه بالأضواء البراقة ، يمثل خدعة الحضارة التي تخفي وراء زُخرُفها الزائف موت الإنسان .
إن الدلالة الكامنة في العبارة المكررة : ( مواصلة التحديق ) و( القرد لا يستطيع إلا / أن يحدّق ) و( يحدّق في الجمهور طويلا ) و( الفراشة لا تستطيع القراءة ) و( عمياء كانت ) ، التي بنيت عليها هذه النصوص الثلاثة ، تمثل المفاتيح اللغوية للرؤية الشعرية وقراءة النصوص .
وإذا كانت ( رحلة القرد ) ، قد ركزت على الطبيعة بدلالتها الفطرية ، واكتظت بعناصر المشهد الطبيعي ، وعناصر المشهد الإنساني ، عبر تصوير اختلاجات العالم الداخلي للقرد ، بمشاعر الحزن والملل والدموع والدهشة ، وهي رؤية واصفة تتوخى تعميق البنية الدلالية ، بإبراز عظمة ما هو فطري وغريزي ، في صلة الكائن الحميمة بالمكان الأليف / الطبيعة ، فإن النصين الآخرين ، قد كشفا عن عناصر المشهد التقني ، الذي يمثل مصدر اغتراب الإنسان ، وتنائيه عن ماهيته الحقة ، حيث يصبح كل شيء في الطبيعة ، وكل مظهر من مظاهر الطبيعة الحية ، وسيلة للترفيه والتسلية كما في ( الأسد في السيرك ) ، على حساب البعد الأخلاقي ، وما يقتضيه من رؤية روحية سامية للوجود .
أما ( متاهة الفراشة ) فإننا نلاحظ تركيزاً مكثفاً على العالم التقني ، مجسّداً بالمصنع بكل ما فيه من حسية مادية فجة : ( برج من الصلب ، خيوط دخان ، صهاريج ، نفق من حديد ، عتلات وكوابس دوارة ، وأصابع من معدن ، وحزام دوار .. الخ ) ، إنه رمز لبنية حضارة العصر ، وليس مجرد ( مصنع ) ، ذلك أن التقنية في حضارتنا المعاصرة قد دخلت في كل شيء ، فأفسدت كل شيء ، جراء التصعيد المبرمج ثقافياً ، للرؤية المادية للحياة .
النص ومفاتيح القراءة / مرتكزات التأويل
إن النصوص تتفاوت من حيث درجة الغموض والوضوح ، بسبب آليات التعبير المستخدمة في إنتاج النص ، وبناء على ذلك يقسّم بعض النقاد النصوص الشعرية إلى نص مغلق ونص مفتوح (12) ، وانغلاق النص يعني كونه أحادي الدلالة بمعنى أنه يتضمن دلالة واحدة هي الدلالة اللغوية أو النحوية ، أما النص المفتوح فإنه ينطوي على تعددية دلالية أو ثنائية دلالية ، على أقل تقدير . وتنجم هذه الثنائية عن استخدام التقنيات البلاغية ، التي يحددها سياق النص وآلياته اللغوية . وقد تصدر تلك التعددية الدلالية عن استخدام الرمز بمرجعياته المختلفة ، كالرمز الأسطوري ، والديني ، والتراثي ، والخاص . ذلك أن (( الرمز هو ما يمثل شيئاً آخر ، بمقتضى صلة مشتركة تشابهية )) ( 13) . وإذا كانت الرموز الثلاثة الأولى تتسم بوجود مركزية دلالية محددة ، وفق مرجعية الرمز وسياقه الثقافي ، فإن الرمز الخاص يفتقر إلى مثل تلك المركزية الدلالية ، فهو نص مفتوح بكل ما في الكلمة من معنى ، نظراً إلى ارتباطه المباشر ، بخبرات المبدع ودوافعه وتصوراتـه ، وانطباعاته اليومية ، ذلـك (( أن الأشياء المادية كتمثال محطم ، أو وردة أكلتها الديدان ـ كما تقول اليزابث درو ـ قد ترمز بالنسبة للشاعر ، إلى مجموعة من الأفكـار والعواطف ، التي يحاول دائما أن يثيرها في نفس المتلقي ، في سياق قصيدته )) (14) . وفضلاً عن ذلك فإن ما يضفي على الرموز الخاصة طابع الغموض ، هو انبعاثها عن سيرورات نفسية لاشعورية يساهم الخيال في خلق ملامحها وصورها ، التي تتخذ طابعاً شعرياً ، ولذا فهي تقترب في ديناميتها المذكورة من رموز الأحلام ، التي تتجلى عبر صور وأحداث في غفلة من سلطة الوعي اليقظ ، ولذا فإننا يمكننا القول إن لكل شاعر رمزيته الشعريـة ، مثلما أن له رموزه الحلميـة ، فبقدر ما يحتاج مفسر الحلم إلى معرفة شيء عن حياة الحالم ، يصبح ضرورياً معرفة ما يحيط بالرمز الشعري الخاص ، من مرجعيات . ومن هنا يذهب ( بارد بافورد ) إلى أن رمزية الشعر تشير (( إلى اتجاهين في آن واحد : إلى نظام مثالي لا يتاح إلا بواسطة الخيال ، والى ما يُعد قوام التجربة المادية ، ويبدو هذا التعارض في شكل جهد مزدوج ، لا يفتأ يناضل ليصبح شيئاً واحداً )) (15) . ويقترب مفهوم ( أوستن وارين ) و( رينيه ويلك ) للرمز من المفهوم السابق ، إذ يريان أن الرمز ينبغي أن يستعمل على أنه (( موضوع يشير إلى موضوع آخر ، لكن فيه ما يؤهله لأنْ يتطلب الانتباه أيضاً إليه ، لذاته كشيء معروض )) (16) .
إن البنية الرمزية للنص الشعري هي تمثيل مجازي لرؤية عقلية أو شعورية يكثفها معادل موضوعي أو خيالي يجسد مادة النص ولحمته فـ (( الشاعر يتمثل هذه المادة نفسياً ، فيرتفع بها من مستوى العاميّة إلى مستوى التجربة ( الخاصيّة ) ، ويتم التعبير عنها بطريقة تجبر القاريء على الوصول إلى نفاذ بصيرة بشرية أوضح وأعمق )) (17) .
وعليه فإن قراءة نص كهذا ، يمثل مقاربة نقدية ليست باليسيرة ، لأنها تقترح مرجعيات مختلفة ومتعددة للقراءة ، فهناك السياق النصي ، وبعض الآليات اللغوية المستخدمة في النص ، ثم سياق التجربة الشعرية الكلية للمبدع ، وهذه الإشكالية نراها ما ثلة في نصوص البريكان ، ولاسيما هذه النصوص الثلاثة التي نحن بصددها ، ولذا فنحن بدءاً نتساءل : ما الذي يُلزم القاريء بقراءة حرفية ؟ أو يضطره إلى قراءة تحليلية تعتمد التأويل ، ولاسيما التأويل الرمزي لتلك النصوص ؟ إن الركون في مقاربة هذه النصوص نقدياً ، إلى إحدى القراءتين المذكورتين ، يماثل في اشكاليته قراءة نصوص الحيوان للجاحظ ، ونصوص حكايات كليلة ودمنة لابن المقفع ، فما هي المقاربة الملائمة لقراءة نصوص الحيوان للجاحظ ؟ وهل يمكن قراءتها قراءة تأويلية على أنها تحمل دلالات رمزية ؟
إن كتاب الحيوان هو كتاب موضوع لأغراض علمية خالصة ، وهو يعتمد لغة معجمية وتراكيب لغوية نحوية ، لا تحتمل إلا دلالة واحدة ، فهو نص مغلق على دلالته المعجمية / العلمية المحضة ، أما كليلة ودمنة فهو يمثل نصوصاً أدبية ، بنيت بناء يختزن دلالات رمزية (18) ، تتجلى عبر أساليب الخطاب الأدبي المعروفة .
وإذا عدنا إلى نصوص البريكان السابقة ، ندرك أن الأساس المنطقي للقراءة ، يقتضي النظر إليها على أنها نصوص شعرية ذات بنية رمزية ، تنتمي إلى حيز الرموز الخاصة ، التي تمثل مرتكز الرؤية الشعرية ، ومكمن قصدية النص وبؤرته الدلالية ، والى جانب الأساس المنطقي للقراءة فإن في النصوص المذكورة ، تمفصلات دلالية تصب في السياق العام لتك النصوص ، بوصفها بنية رمزية ، ففي ( رحلة القرد ) نجد التركيز على الرؤية البصريـة المطلقة ، عبر تكرار العبارة التي تحمل تلك الدلالة خمس مرات ، مع اختلاف بسيط في الأسلوب وهي : ( يتفحص ما حوله ) و( ويواصل تحديقه ) و( يواصل تحديقه ) و( إنه يتفحص ما حوله ) و( كل ما يستطيع / أن يحدق ) . إن تلك العبارة تشبه تعزيمة قهرية ، تتردد بين ثنايا النص فتقسمه إلى خمسة مقاطع تقسيماً ضمنياً ، يوحي بنبرة تهكمية وكأن الشاعر يريد لذلك الكائن أن يفعل أكثر من التحديق ، ولذا فإن عبارة ( كل ما يستطيع / أن يحدق ) تنطوي على شيء من الشعور باليأس ، أو الانتظار المحبط من هذا الكائن ، الذي ينبغي أن يتجاوز عملية التحديق ، إلى ممارسة الفعل إزاء فاعلية الآخر ، لكن ذلك لم يحدث . إن التكرار الرابع لتك العبارة التحريضية يوحي بأنّ سياق حركة الفعل مازال منسجماً مع رؤية النص وأفق انتظاره ، غير أن التكرار الخامس ، قد كسر ( أفق الانتظار ) (19) ، فأيقن أن استطاعة هذا الكائن ، مقصورة على التحديق دون سواه ، وهذه الاستطاعة السلبية العاجزة ، هي التي انتهت بهذا الكائن المستضعف إلى مصيره المأساوي ، لأنه ( لا يعرف شيئاً عن المختبر ) ، إنّ نفي المعرفة يساوي نفي الوجود .
أما ( الأسد في السيرك ) ، فعلى الرغم مما يبدو على النص ، من أجواء موضوعية ، تتجلى في الوصف المكاني الدقيق ، الذي يوهم القاريء بأن مدار النص ومغزاه ، هو تصوير ما يدور في خيمة السيرك ، من أحداث وأضواء وأجواء احتفالية ، فإن تأمل لغة النص وأساليبـه وعباراتـه ، يوحي بأن دلالات عميقة تختمر في ثنايا النص ، أهمها نبرة الهجاء والازدراء لهذا الكائن العظيم ، الذي استكان لعملية الترويض ، فهو ( يكشف عن أنياب صدئة ) و( يطأ طيء هامته ) ، وهذه عبارات لا توحي بالإشفاق على مآل هذا الكائن المهيب ، بقدر ما تعبّر عن دلالة التهكم والتقريع ، ولاسيما في مقطع النص اللاحق :
يدخلُ في قفصه ِ
يُرمى بقشور اللب
ويُحدّقُ في الجمهور طويلاً
يُحملُ يُطرحُ خلف الحلبة
ويصيخُ إلى الأصداء
فالشاعر هنا يخرق بنية النص الواقعية ، ليقوّي بعده الرمزي ، فالأسد في السيرك لا يرميه الناس بقشور اللب ولا بغيرها ، فذلك يحدث في حدائق الحيوان ، أما في السيرك فإنه يُخرجُ من دائرة الضوء الاستعراضية ، ليدخل في قفصه بعيداً عن الجمهور .
وأما ( متاهة الفراشة ) فإن مفتاح النص اللغـوي ، يكمن فـي عبـارة ( عميـاء كانت ) و(الفراشة لا تستطيع القراءة ) ، ولا اعتقد أن قارئاً أمتخصصاً كان أم قارئاً عادياً ، يمكن أن يجد ما يفسر قصدية النص ، في عبارته السابقة ، على أنها جملة مسندة إسناداً حقيقياً إلى الفراشة ، بل أن الخبر هنا أو المسند يقوم على انعدام الملاءمة الدلالية أو المنافرة الاسنادية ، كما يسميها جان كوهين (20) ، سواء أكانت بنفي جملة الإسناد أم إيجابها ، فمن الطبيعي أن الفراشة وغيرها من الحشرات ، لا علاقة لها بالقراءة !
إن النصوص الثلاثة على تباين بنيتها اللغوية ، تخضع لهيمنة رؤية شعرية واحدة ، وثيمة واحدة ذات علاقة مباشرة بما هو وفطري في الحياة ، فالأسد يمثل القوة والعظمة والملكوت ، والقرد يمثل الوداعة وروح المسالمة ، والفراشة توحي بالرقة والجمال ، وهي قيم لا غنى للحياة الإنسانية عنها ، غير أنها انسحقت متراجعة أمام مادية العالم وتقدمه التقني ونظامه القمعي . وهي نصوص بنيت على رؤية شعرية ذات بعد إنساني عميق ، يتجلى في الموقف الفلسفي الذي يتبنى رؤية تعريضية ، بواقع إنساني آيل إلى الزوال ، يُكرّس الشعور بتضاؤل الإنسان ، وتلاشي قداسته وملكوته ، وهي رؤية أدرك أبعادها بعض النقاد ، في شعر البريكان عبر قراءة متعمقة لبعض نصوص الشاعر ، فيقول : (( إن قلقاً إنسانياً مصيرياً بعيداً عن الهمّ اليوميّ ، لكنه لا يتجاهلهُ بل يستبطنهُ ، هو الذي يشغل منطقة الشعر لدى البريكان ، فدائماً هناك بؤرُ توتر داخل النفس الإنسانية ، أو داخل المشهد الكونيّ ، هي التي تشغلُ البريكان )) (21) .
وقد تناولت قصيدة رحلة القرد دراسات كثيرة ، منها دراسة الدكتور فهد محسن فرحان (22) ، التي اعتمدت منهجاً شكلياً لغوياً ، يتكيء على مرجعيات خارجية ، تقوم على توظيف دلالات الألوان ذات الطبيعة العلمية ، في تفسير دلالة النص الشعري ، وهو منهج لا يخلو من تعسف ، لأنه يختزل النص الشعري بأبياته الستة والأربعين ، في بيت واحد هو (المزارعُ خضراءُ صفراءُ غبراءُ ) ، لاستخلاص مصير القرد المأساوي ، مما يسمّى ظاهرة (الإستباق ) (23) ، اعتماداً على دلالات الألوان وتغيّرها ، بينما تأمل النص يوحي بأن المرتكز الدلالي للنص ، هو مختبر التشريح وليس ألوان المزارع ، التي لا تعني شيئاً بالنسبة للقرد ، لأنها مجرد انطباعات حسية مبعثرة ، وهذا ما توحي به بنية العبارة ، التي وردت بصيغة أسماء مجردة من الأخبار ، ولذا فإن تعاقب ألوان المزارع واضطرابها ، يوحي بالاضطراب النفسي إبان تلك اللحظة ، جراء اهتزاز الشاحنة وسرعتها ، وما تثيره من غبار الطريق ، وهي استجابة آنية مباشرة لحركة الشاحنة ، وليس استشرافاً للمستقبل ، أو كشفاً للمصير .
إن قراءة النص الشعري ، هي مقاربة لمعناه الخفي واستكناه دلالاته العميقة ، ولذا فإن وجود البؤرة الدلالية في النص الشعري ، قضية على درجة كبرى من الأهمية ، في مجال القراءة النقدية ، فالشاعر دائما يريد أن يقول شيئاً ، أو يعبّر عن تجربة نفسية أو عاطفية ، وأن مقاربة تلك التجارب والخبرات ، منوطة بثقافة الناقد ورصانة منهجه النقدي ، ومقاربته للعقل والمنطق ، ولذا فإننا نعتقد مع جاكوب كورج ، بأن الشعر من شأنه أن يخلق معرفة واسعة منظمة ، وأنه يستطيع (( رؤية المعاني في الأشياء التي لا معنى لها )) (24) وأنْ (( يساهم في التمعّن الفكري ، الذي يتميز به الشعراء ..... لفتح آفاق جديدة للفكر والشعور )) (25) ، وهذا ما يصدق على شعر محمود البريكان .
وحين يكون الشعر كذلك ، فإن وظيفة النقد سوف تصبح أداة منهجية ، للكشف عن تلك الجوانب العظيمة الخفية ، التي تنطوي عليها مثل تلك النصوص الشعرية ، وإلا فإن النقد يصبح مجرد ترف ثقافي ، أو لعب لغوي ، ليس للمثقف والأكاديمي شأنٌ به .
29 / 1 / 2009
المصادر والهوامش
(1) مدخل إلى مناهج النقد الأدبي ـ مجموعة من الكتاب ـ ت رضوان ظاظا ـ سلسلة عالم المعرفة ـ الكويت 1997 ـ ص 90 .
(2) رولان بارت - نقد وحقيقة - ت منذر العياشي - مركز الإنماء الحضاري سورية - 2001 ص34 .
(3) المصدر نفسه ـ ص 93 .
(4) اللغة الخيالي الرمزي - جاك لاكان - مجموعة من الباحثين - إشراف مصطفى المسناوي ـ منشورات الاختلاف ـ الجزائر ـ 2006 ـ ص 83 .
(5) بول ريكور - نظرية التأويل ، الخطاب وفائض المعنى - ت سعيد الغانمي - المركز الثقافي العربي - المغرب 2003 - ص 34، 35 .
(6) ينظر إلى : أسامة عبد الرزاق بغيل - رسالة ماجستير مقدمة إلى قسم اللغة العربية / كلية الآداب جامعة البصرة 1998.
(7) ينظر إلى : د . فهد محسن فرحان ـ الإبلاغ الشعري المحكم ، قراءة في شعر محمود البريكان ـ دار الشؤون الثقافية ـ بغداد ـ 2001 ـ ص 11ـ 41 .
(8) ديوان متاهة الفراشة - إعداد باسم المرعبي - منشورات الجمل - ألمانيا - 2006 ـ ص 107 .
(9) المصدر نفسه ـ ص 110 ، 111 .
(10) المصدر نفسه ـ ص 112 .
(11) المصدر نفسه – ص 129 .
(12) ينظر عبد الله الغذامي ـ المشاكلة والاختلاف ـ النادي الأدبي بجدة ـ 1994 ـ ص 77 .
(13) ميشال لوغورن – الاستعارة والمجاز المرسل – ت حلا صليبا – منشورات عويدات – بيروت – 1988 – ص 81 .
(14) اليزابث درو ـ الشعر كيف نفهمه ونتذوقه ت محمد إبراهيم الشوش ـ مكتية منيمنة ـ
بيروت ـ 1961 ـ ص71 ، 72 .
(15) د . عاطف جودة نصر – الرمز الشعري عند الصوفية – دار الأندلس للطباعة والنشر –بيروت – 1978 – ص 110 .
(16) أوستن وارين و رينيه ويلك – نظرية الأدب – ت محيي الدين صبحي – المجلس الأعلى لرعاية للفنون والآداب والعلوم الاجتماعية – دمشق – 1972 – ص 243 .
(17) كارل يونك ـ علم النفس التحليلي ـ ت نهاد خياطة ـ دار الحوار للنشر والتوزيع ـ سورية ـ 1997 ـ ص 162 .
(18) ينظر إلى : ناصر الاسدي - حكايات كليلة ودمنة ، دراسة سيميائية - أطروحة دكتوراه مقدمة إلى قسم اللغة العربية ، كلية الآداب ، جامعة البصرة ـ 2008 .
(19) استخدمنا هذا المصطلح وفق مفهوم ياوس الذي يعني به (( سياق التجربة الجماليـة المسـبّّقة المشتركة بين الذوات ، والذي يتأسس عليـه كل فهم فردي للنص ، وكل تأثير يمارسه هذا النص )) . عبد الكريم شرفي – من فلسفات التأويل إلى نظريات القراءة – منشورات الاختلاف – الجزائر – 2007 – ص 165 .
(20) ينظر إلى : جان كوهين - بنية اللغة الشعرية - ت محمد الولي ومحمد العمري - دار توبقال للنشر ـ 1986 ـ ص 108 .
(21) طراد الكبيسي ـ شيء من الذاكرة شيء من النقد ـ مجلة الأقلام ـ العدد 3/4 - 1993 ـ ص 98 .
(22) الشعر الحديث في البصرة ـ دار الشؤون الثقافية ـ بغداد ـ 2008.
(23) المصدر نفسه ـ ص 285 .
(24) جاكوب كورج - مقدمة في الشعر - ت رياض عبد الواحد - دار الشؤون الثقافية - سلسلة الموسوعة الثقافية ـ بغداد ـ 2004 ـ ص 105 .
(25) المصدر نفسه ـ ص 105 .